شئون عربية ودولية

صدام الكبار في “شانجريلا”.. أزمة التاريخ تتجدد بين الصين واليابان

تحولت أعمال “حوار شانجريلا” الأمني في سنغافورة إلى منصة جديدة لتصاعد التوتر بين الصين واليابان، بعدما تبادل الجانبان الاتهامات بشأن الإرث التاريخي للحرب العالمية الثانية، ومستقبل التوازنات الأمنية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في مشهد يعكس عمق الخلافات الإستراتيجية بين أكبر اقتصادين في شرق آسيا.

وتستضيف سنغافورة في الفترة ما بين يوم الجمعة واليوم الأحد فعاليات “حوار شانجريلا”، الاجتماع الرئيس لآسيا للدفاع والأمن. ويجمع أكثر من 550 مندوبًا من أكثر من 40 دولة ومنطقة، حيث تتصدر جدول الأعمال التحديات الأمنية الكبرى التي تواجه المنطقة.

وخلال جلسات المنتدى الأمني، وجه العقيد شين تشي شيونج، عضو الوفد الصيني المشارك في الحوار، سؤالًا مباشرًا إلى وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي، متسائلًا عما إذا كانت الحكومة اليابانية مستعدة للتعامل “بجدية وحزم” مع المخاوف التي لا تزال تراود الصين وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا المتضررة من الحرب العالمية الثانية، بما يسهم في تعزيز الثقة المتبادلة وترسيخ الأمن الإقليمي، بحسب صحيفة “جلوبال تايمز” الصينية.

وبدا كويزومي متحفظًا في التعامل مع السؤال، إذ لم يقدم إجابة مباشرة، واكتفى بالقول إن الرد على تساؤل الممثل الصيني يمثل “الجزء الأصعب” من مداخلته، قبل أن ينتقل للدفاع عن سياسات بلاده الأمنية، مؤكدًا أن الحديث عن “عسكرة جديدة” لليابان لا يستند إلى الواقع.

ونقل موقع “The Japan Times” عن وزير الدفاع الياباني، قوله إن تطوير القدرات الدفاعية اليابانية لا يستهدف دولة أو منطقة بعينها، ولا يهدف إلى خلق مواجهة عسكرية، بل يأتي استجابة للتحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة.

وفي المقابل، صعّد الجانب الصيني من انتقاداته لطوكيو، إذ حذر رئيس الوفد الصيني من مؤشرات على عودة “النزعة العسكرية” اليابانية، مشككًا في قدرة اليابان على تقديم نفسها؛ باعتبارها شريكًا موثوقًا في الأمن الإقليمي، طالما أنها -بحسب تعبيره- لم تتخلص بشكل كامل من إرثها العسكري المرتبط بفترة الحرب.

واعتبر المسؤول الصيني أن الدول الآسيوية التي عانت من الاحتلال والعدوان الياباني خلال القرن الماضي لا تزال تتابع بقلق مسار السياسات الدفاعية اليابانية، الأمر الذي يجعل مسألة بناء الثقة الإقليمية مرتبطة بمعالجة الملفات التاريخية العالقة.

 

في المقابل، وجه كويزومي انتقادات مباشرة إلى الصين، متهمًا بكين بمواصلة رفع إنفاقها العسكري بوتيرة متسارعة وتوسيع قدراتها الدفاعية في مختلف المجالات دون مستوى كافٍ من الشفافية، وهو ما قال إنه يثير قلق اليابان وعدد من دول المنطقة والمجتمع الدولي.

وشدد الوزير الياباني على أن بلاده تؤمن بأهمية الحوار الصريح والمستمر لمعالجة القضايا الخلافية، مؤكدًا أن مواجهة التحديات الأمنية تتطلب التواصل المباشر وعدم تجنب الملفات المعقدة.

وتعكس هذه المواجهة الكلامية في “حوار شانجريلا” جوهر الخلاف القائم بين البلدين؛ فبينما ترى طوكيو أن برنامجها المتسارع لتعزيز القدرات الدفاعية يمثل استجابة ضرورية للبيئة الأمنية المتغيرة في شرق آسيا، تنظر بكين إلى هذه التحركات باعتبارها خروجًا مقلقًا عن النهج السلمي الذي تبنته اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويزداد القلق الصيني مع تنامي النقاشات داخل اليابان بشأن توسيع دور قوات الدفاع الذاتي، خاصة بعد التصريحات المثيرة للجدل التي أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، في نوفمبر الماضي، والتي تحدثت فيها عن إمكانية استخدام حق الدفاع الجماعي عن النفس في سيناريوهات تتعلق بأزمة محتملة حول تايوان، بما في ذلك فرض حصار بحري صيني على الجزيرة.

وترى بكين أن مثل هذه التصريحات تعكس تحولًا تدريجيًا في العقيدة الأمنية اليابانية، بينما تؤكد طوكيو أن أي خطوات دفاعية محتملة تظل مرتبطة بحماية أمنها القومي والتعامل مع المخاطر المتزايدة في المنطقة.

وتشير السجالات التي شهدها منتدى شانجريلا إلى أن العلاقات الصينية اليابانية لا تزال رهينة مزيج معقد من الخلافات التاريخية والمنافسة الجيوسياسية المعاصرة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس التوتر بين القوتين الآسيويتين على الاستقرار والأمن الإقليميين.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button