تقاريرتوب ستوري

الصراع الدينى.. مسئول خفى عن إشعال العنف المجتمعى في أثيوبيا 

تعانى إثيوبيا من وقت لآخر من تصاعد للعنف المجتمعى بسبب مكوناته إضافة إلى أسباب أخري، إلا أن الحديث عن البعد الدينى في طبيعة هذه الصراعات قد يكون أمرًا تغافل عنه عدد من الباحثين المهتمين بدراسة طبيعة هذه الدولة.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإثيوبية بقيادة «أبى أحمد» بالتوجه نحو مزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية وغيرها، إلا أن العنف والصراع القائم على أسس عرقية ودينية لا يزال هو أحد أهم المشكلات التى تعانى منها البلاد.
الدين والاندماج الوطني
تعتبر إثيوبيا موطنًا لما يقارب من ٨٠ مجموعة عرقية، وفى عقود سابقة، كان ينظر إلى إثيوبيا على أساس أنها حالة فريدة من التعايش السلمى بين الأديان، فنجد أن نسبة المسلمين في إثيوبيا تقدر بـ ٢٥٪ ما يجعلهم في المرتبة الثانية بعد الأرومو الذين يشكلون نحو ٤٠٪ من حيث تعداد العرقيات، إلا أن المسلمين في إثيوبيا ليسوا مركزين في عرقية واحدة.
وشوهت طبيعة النظم السياسية التى تعاقبت على الحكم في البلاد تلك الحالة الفريدة عبر فشلها في التعامل مع أزمة الاندماج الوطني، الأمر الذى نتج عنه تصاعد في حدة العنف والهجمات القائمة على أسس وإبعاد دينية. 
وبشكل عام يأخذ الصراع الدينى وتداخله مع أزمة الاندماج الوطنى في إثيوبيا عدة سمات هى: 
١- الارتباط بالهوية العرقية: تشير بعض التقارير إلى أن الانفصال والنزاع شب في داخل الأرثوذكس من خلال تحريض البعض للانقسام على أسس عرقية الأمر الذى دفع المجمع المقدس إلى التدخل لحل تلك الإشكالية.
وعلى الجانب الآخر هناك بعض الأجزاء التى ينتشر فيها المسلمون بشكل كبير ويقل فيها انتشار الأديان الأخرى، وهناك خطاب يغزى من فكرة عدم احترام الأقليات هذا الخطاب قائم على أسس مناطيقة، ما يعزز من فكرة ارتباط الهوية العرقية بالدين عبر عبارات طائفية ترفع بين المكونات الاجتماعية كعبارة «أنا مسلم وأنت أمهرة».
٢- تجاهل محتوى الخطاب «الديني»: هناك شعارات ترفع تحاول أن تجعل الكنيسة فوق سلطة الدولة بل وتسعى إلى طمس كل الهويات الدينية الأخرى في البلاد، فهناك خطاب يعزز من فكرة ارتباط الكنيسة بالهوية الإثيوبية، وهى الفكرة التى تجد من يؤيدها من الداخل الإثيوبى وتميل هذه النظرة إلى اعتبار أن باقى الديانات الأخرى في إثيوبيا غير مرئية.
وكنتيجة لهذا الخطاب الذى يرى فيه البعض استفزازا للمشاعر فقد دمر ١٠ كنائس في فبراير من هذا العام بعد أن تم الهجوم على مسجد في المنطقة الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة. 
٣- تجاهل البعد الدينى في تحليل الصراع: تعمدت التحليلات الاجتماعية والسياسية في إثيوبيا تجاهل البعد الدينى في الصراعات التى تشهدها البلاد، وذلك يرجع إلى المنطلقات التى قامت عليها هذه التحليلات إذ إن تحليل الصراع تم على أساس طبقى تم فيه التغاضى عن الدين ويمكن أن نلتمس ذلك عبر تعليق أحد المشاركين في إحدى المحاضرات التى عقدت عن الإسلام في إثيوبيا إذ جاءت في هذا التعليق عبارة «كنا نظن أن العامل الدينى في إثيوبيا سوف يزول لكنه يستمر في الظهور مرارًا وتكرارًا».
الدين والسياق الاجتماعي
لعب البعد الدينى دورًا في تشكيل العلاقات بين الطوائف في إثيوبيا، فتاريخيا لعبت الحملات التى كان يقودها الإمبراطور الإثيوبى «مينيلك الثاني» دورًا في تعزيز ذلك البعد عندما كان يسعى إلى أن يصبح جنوب البلاد ذا هوية دينية مسيحية، الأمر الذى كرث نظرة أشبه بالعنصرية لدى الشماليين إلى أبناء الجنوب على أساس أنهم «متخلفون» و«بدائيون» و«بربريون»، وتشير حالة الصراعات التى تنشأ في إثيوبيا من وقت لآخر إلى درجة التداخل بين العرق والدين مما يشير إلى سيطرة العرق في معناه الواسع.
فالمشهد الدينى في إثيوبيا معقد إلى الدرجة التى تجعله مكونًا من ثلاثة أركان أساسية هى المسلمون والأرثوذكس والبروتستانت، في حين أن كلًا منهم يظهر بشكل منفصل إلا أنهم تظل متشابكين في الطريقة التى يتأثر بها كل طرف بالآخر، وهذا يتضح في حالات تصاعد العنف من مكون تجاه الآخر، الأمر الذى عجل من فكرة ظهور حركات «الإصلاح الديني» في البلاد بين مكونات هذه الطوائف لا سيما بين المسلمين، خاصة أن هناك تقارير تشير إلى أن هناك توسعًا من البروتستانت في البلاد من أجل التبشير بين الأرثوذكس والمسلمين. 
ولفهم طبيعة هذه السياقات والعلاقة بين ما هو اجتماعي وسياسى في الصراعات الداخلية الإثيوبية يمكن الإشارة إلى السيناريوهين التاليين وهما: 
١- الرغبة في الاستحواذ على «الفضاء الديني»: تشير تقارير إلى أن هناك تزايدًا في دور العبادة التى تشهدها البلاد وأن هناك رغبة من قبل كل الطوائف في اختراق مؤسسات الدولة الرسمية لتكريس فكرة الاستحواذ والهيمنة.
٢- حماية الفضاء الديني: عبر الدفاع عن دور العبادة من أى هجمات، وذلك عبر تحدى الهيمنة الثقافية لكل طائفة دينية على أخرى، إلا أنه على الرغم من أن دستور الدولة علمانى ويطلق حرية الاعتقاد إلا أنه لا يزال هناك ملاحظات على ممارسة المسلمين لشعائرهم الدينية.

تصاعد العنف

عكست الاحتفالات الدينية التى قام بها المكون المسيحى في أكتوبر الماضى حالة تصاعد العنف الدينى في البلاد، فقبل أسبوع من بدء الاحتفال بما يعرف بـ«عيد الصليب» خرجت مظاهرات بجميع أنحاء البلاد ضد الاعتداء على الكنائس إذ تعرض ما يقارب من ٣٠ كنيسة للاعتداء منذ تولى «أبى أحمد» رئاسة الحكومة وقتل ٤٥ رجل دين، حيث وقعت هذه المظاهرات على بعد ٢٠٠ كيلو متر من شمال العاصمة أديس أبابا، وقد رفع المتظاهرون لافتات كتب عليها عبارات عديدة كان أشدها لافتا للانتباه شعار «الكنيسة والسياسة منفصلتان». 
ومما يؤكد على ذلك الأمر ما أشار إليه «أبى أحمد» بأن العوامل الدينية باتت جزءًا من الصراعات التى تشهدها البلاد وأن هناك تشابكًا بين الأسس العرقية والدينية، وجاء ذلك التصريح في الثالث من نوفمبر من هذا العام، حيث أوضح أنه نتيجة لهذه الصراعات قتل ٧٦ شخصًا، ٤٠ مسيحيًا و٣٦ مسلمًا بمنطقة الأورمو.
وفى يوليو الماضى قتل ما يقارب من ١٠٠ شخص نتيجة صراعات دينية في الأجزاء الشرقية من البلاد بل وأحرقت ما يقرب من ٣٠ دور عبادة. وهذه الحوادث تشير صراحة إلى تطور طبيعة الصراعات، وقد أدى ذلك إلى نزوح ٣ ملايين شخص. 
وكحالة من الرد على العنف خرج عدد من المسلمين إلى جانب المسيحيين في إشارة إلى نبذ العنف ورفعت لافتات كتب عليها عبارات «هلال وصليب جبنًا إلى جنب».
وختامًا، يمكن القول إن إثيوبيا تقف الآن على مفترق طرق وذلك لحالة الانقسامات الداخلية القائمة على أسس عرقية ودينية، ولذلك يجب الدخول في حوار وطنى شامل مع مراعاة أن يركز هذا الحوار على إزالة أى مخاوف بين أبناء المجتمع الواحد، فالسياقات الحاكمة للوضع الدينى في إثيوبيا غير مستقر ومعرض للانفجار في أى وقت من الأوقات، بل ومن الواضح أن النظام السياسى في إثيوبيا أمام اختبار حقيقى في كيفية التعامل مع الصراعات الداخلية التى تتصاعد وتيرتها وهو الأمر الذى دفع عددًا من الزعماء الدينيين في البلاد إلى انتقاد تعامل الحكومة الإثيوبية مع الصدامات الدينية والهجمات العرقية.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق