الهدنة في لبنان تصطدم بسلاح “حزب الله” والعدوان الإسرائيلي

تتصاعد المواجهات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف عدة بلدات لبنانية، رغم إعلان تجديد الهدنة بين الطرفين، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التحركات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة لاحتواء التصعيد، وهل هناك حلول عملية على أرض الواقع؟ وهل هناك نوايا أخرى خلف هذه الهدنة التي ليست مطبقة على أرض الواقع.
يرى مراقبون أن نجاح أي مسار تفاوضي لن يتوقف فقط على قرار بتثبيت وقف إطلاق النار، بل على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على معالجة الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل سلاح حزب الله، والضمانات الأمنية المتبادلة، وآليات منع تكرار المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية للبنان.
في هذا السياق، حذَّر مدير مركز “أساهي” للبحوث طلعت سلامة، من أن أي محاولة لنزع سلاح حزب الله “دون حلول عملية وواقعية” قد تؤدي إلى توترات داخلية خطيرة وربما حرب أهلية في لبنان.
وقال “سلامة”، خلال مداخلة عبر قناة “القاهرة الإخبارية”، إن تمديد وقف إطلاق النار في جنوب لبنان يعكس حجم القلق الدولي من تداعيات استمرار الصراع، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى منح الأطراف فرصة للتوصل إلى تفاهمات قد تمهد لسلام أكثر استقرارًا.
وأضاف أن إسرائيل تواجه أزمات متراكمة نتيجة الحروب المتكررة في المنطقة، بينما يبقى لبنان في دائرة الخطر المباشر مع استمرار التصعيد العسكري واحتمالات توسع المواجهة.
ويرى مدير مركز “أساهي” أن الحكومة اللبنانية مطالبة بالتعامل مع حزب الله، باعتباره “جزءًا من الواقع السياسي اللبناني”، معتبرًا أن الطروحات المتعلقة بنزع سلاح الحزب تظل شديدة التعقيد في ظل التوازنات الداخلية الحالية.
وأشار “سلامة” إلى أن الورقة الأمريكية المقدمة إلى الحكومة اللبنانية، والتي تتضمن مقترحات مرتبطة بسلاح حزب الله، تمثل تحديًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، مؤكدًا أن أي تسوية حقيقية تحتاج أولًا إلى حلول واقعية على الأرض قبل الحديث عن هدنة طويلة الأمد أو ترتيبات نهائية.
دلالات مهمة
فيما أكدت خبيرة الشؤون الإقليمية حياة الحريري، أن تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا في لبنان يحمل دلالات مهمة، إلا أنه يواجه تحديات على الأرض فيما يخص إمكانية تنفيذ بنود الاتفاقات والمفاوضات، موضحة أن الواقع الميداني لا يعكس هدنة فعلية، فالحرب لا تزال مستمرة في منطقة الجنوب وجزء من البقاع، وتتواصل الاعتداءات.
وأشارت “الحريري”، خلال مداخلة عبر الإنترنت على قناة “القاهرة الإخبارية”، إلى أن الساحة الأساسية للاشتباكات تظل في الجنوب، بينما تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية هذا التمديد لتسويق نفسها على أنه دعم للبنان في التوصل إلى تسوية مع إسرائيل، مؤكدة أن الهدف الأمريكي هو تحييد الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية والعاصمة بيروت والمرافق العامة، باستثناء العمليات الاستهدافية مثل الاغتيالات.
وأضافت أن الهدنة ليست فعليًا وقف إطلاق نار شاملًا، بل إطار مؤقت لضبط الاعتداءات الإسرائيلية وحصرها مبدئيًا في جنوب لبنان وغرب البقاع، مشيرة إلى وجود أجندتين مختلفتين بين لبنان وإسرائيل، موضحة أن لبنان يسعى -وفق بيان سفارته في الولايات المتحدة- إلى تحويل تمديد وقف إطلاق النار إلى تثبيت لوقف إطلاق النار بشكل فعلي، يضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية وفرض هدنة حقيقية، ثم التمهيد للانسحاب الإسرائيلي لاحقًا.
وتابعت: “بينما تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل بالدرجة الأولى، الضغط العسكري والنار كأداة أساسية إلى جانب التفاوض لضمان مصالحها في المنطقة”.
الجولة الرابعة من المفاوضات
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، أمس الجمعة، أن لبنان وإسرائيل اتفقا على تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا، بهدف إتاحة مزيد من الوقت أمام المفاوضات الجارية برعاية أمريكية.
وأوضحت الخارجية الأمريكية أن الجولة الرابعة من المفاوضات بين الجانبين ستُعقد يومي 2 و3 يونيو المقبل، بينما ينطلق مسار أمني منفصل في 29 مايو الجاري داخل مقر وزارة الحرب الأمريكية، بمشاركة وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل.
ورحبت وزارة الخارجية اللبنانية بتمديد وقف إطلاق النار وإنشاء مسار أمني للتفاوض مع إسرائيل، في مؤشر على تمسك بيروت بخيار الحلول السياسية والدبلوماسية لخفض التوتر.
ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن وفد المفاوضات اللبناني تأكيده أن الهدف من المباحثات هو “تحويل زخم وقف إطلاق النار الحالي إلى اتفاق شامل ودائم يحفظ كرامة اللبنانيين وأمنهم ومستقبلهم”.
كما شدد الوفد اللبناني على التزام بيروت بـ”العودة الآمنة والكريمة للمدنيين النازحين إلى جنوب البلاد”، في ظل الأوضاع الإنسانية والأمنية الصعبة التي تشهدها المناطق الحدودية.
بدورها، أكدت السفارة اللبنانية في واشنطن التزام لبنان بالتوصل إلى اتفاق يعيد كامل سيادة لبنان، مشيرة إلى استمرار الانخراط البناء في المفاوضات الجارية، مع السعي لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى اتفاق شامل ومستدام.
وترأس الوفد اللبناني في المفاوضات السفير سيمون كرم، بمشاركة سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض والملحق العسكري اللبناني، فيما ترأس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر.
وفي ظل استمرار الضربات المتبادلة والتوتر السياسي، يبقى السؤال مطروحًا بشأن قدرة الجهود الدولية على فرض حلول واقعية ومستدامة، في وقت لا تزال فيه تعقيدات المشهد اللبناني والإقليمي تلقي بظلالها على فرص الوصول إلى تسوية نهائية.



