
لا ينظر المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي إلى تكرار الآيات في القرآن الكريم باعتباره تكرارًا لفظيًا، بل يراه وسيلة تربوية مقصودة تهدف إلى بناء الإنسان وحمايته من الانحراف قبل وقوعه فيه.
فالمقال ينطلق من حقيقة قرآنية، وهي أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، بل يعيش في مواجهة مستمرة مع نوازع النفس، وإغراءات الدنيا، ووساوس الشيطان. ومن ثم فإن ترك الإنسان دون تذكير دائم بالقيم الإلهية يجعله أكثر عرضة للانزلاق، لذلك تتكرر الآيات التي تدعو إلى العدل، والرحمة، والإحسان، والتقوى، والوفاء، وتحذر من الظلم والعدوان والفساد.
ومن هذه الزاوية يصبح التكرار في القرآن أشبه بعملية بناء متواصلة للوعي، لا بمجرد إعادة للألفاظ. فالإنسان قد يعرف الحق، لكنه ينساه تحت ضغط الشهوات والمصالح، ولذلك يأتي التذكير المتكرر ليجدد حضوره في النفس، ويعيد تصحيح البوصلة قبل أن تتحول المعصية إلى واقع، أو يصبح الفساد سلوكًا معتادًا.
ويلفت المقال النظر إلى قضية مهمة، وهي أن القرآن يعالج أسباب الكوارث قبل وقوعها، فلا ينتظر وقوع الجريمة ليعاقب عليها، وإنما يبني داخل الإنسان منظومة وقائية تمنعه من الوصول إليها أصلًا. فكل قيمة قرآنية هي في حقيقتها حاجز يحمي الإنسان من نتيجة مؤلمة قبل أن يعيشها.
ومن أعمق ما يطرحه المقال إعادة النظر في بعض المفاهيم الشائعة، ومنها الدعاء المتكرر: “اللهم انصر الإسلام”. فالمقال يدعو القارئ إلى التدبر في هذا التعبير، منطلقًا من أن رسالة الله لا تحتاج إلى من يحميها، وإنما الذي يحتاج إلى الحماية هو الإنسان نفسه. فالقرآن جاء لهداية الناس، وحفظهم من الانحراف، وصيانة حياتهم من نتائج الظلم والعدوان والفساد.
ومن هنا ينتقل المقال من الجانب الفردي إلى الجانب الحضاري؛ فالحروب، والدمار، والتشريد، وسفك الدماء، ليست أحداثًا معزولة، وإنما هي الثمار الطبيعية لانهيار المنظومة القيمية في حياة الأفراد والمجتمعات. وعندما يغيب العدل، وتضعف الرحمة، ويحل الظلم محل الحق، تصبح الصراعات نتيجة متوقعة، لا مفاجأة تاريخية.
وفي ضوء ذلك، يصبح تكرار الآيات في القرآن ضرورة لبناء الإنسان، لأن بناء الحضارة يبدأ من بناء الضمير. فالقرآن لا يكتفي بوضع الأحكام، بل يكرر القيم حتى تتحول إلى جزء من وعي الإنسان وسلوكه، فتقوده إلى الاختيار الصحيح بإرادته، لا بالخوف من العقوبة وحدها.
ومن هنا تتضح العلاقة بين عنوان المقال ومضمونه؛ فـ “تحصين الإنسان من السيئات” لا يتحقق بمجرد المعرفة، وإنما باستمرار التذكير، وتجديد الوعي، وربط الإنسان دومًا بمنظومة القيم التي أنزلها الله رحمة للعالمين.
وهذه الرؤية تنسجم مع المشروع الفكري الذي يتبناه المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، والقائم على أن القرآن الكريم ليس كتابًا للتلاوة فحسب، وإنما منهج لبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وصناعة الحضارة. فإذا استقرت القيم في النفوس، انحسر الشر تلقائيًا، لأن الإنسان يصبح رقيبًا على نفسه قبل أن يكون خاضعًا لرقابة غيره، وحينها تتحول رسالة القرآن من نص يُتلى إلى حياة تُعاش، ومن موعظة تُسمع إلى حضارةٍ تُبنى.



