تقارير

سلاح بوتين.. معركة الغاز تشتعل من جديد بين روسيا والغرب

يوماً بعد يوم، تتفاقم حرب الطاقة بين روسيا وأوروبا على خلفية استمرار الصراع فى أوكرانيا ومحاولة موسكو لخنق سوق الغاز فى القارة العجوز، الأمر الذى ظهر جليا عندما اتخذت موسكو قرار بوقف إمدادات الغاز عبر خط أنابيب رئيسى إلى أوروبا، ما يرفع احتمالات الركود وينذر بأزمة كبيرة فى فصل الشتاء المقبل.

فى تطور جديد يزيد من حدة المعركة الاقتصادية بين موسكو والاتحاد الأوروبى، أعلنت روسيا تعليق تدفقات الغاز الطبيعى عبر خط أنابيب “نورد ستريم 1” إلى أجل غير مسمى، مبررة الأمر بأنه بسبب “عطل فنى”. فيما يرى بعض الخبراء أن تمدد موسكو الانقطاع قد يكون ردا على العقوبات الغربية المفروضة عليها، وأن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين يستخدم إمدادات الطاقة “كسلاح حرب”.

رد فعل روسى

ويعتقد هؤلاء الخبراء أن روسيا تتخذ هذا الإجراء عن عمد خصوصا أن هذه الخطوة جاءت بعد ساعات من إعلان دول مجموعة السبع، أنها تمضى قدما فى خطة لمحاولة فرض حد أقصى لسعر صادرات النفط الروسية فى إطار محاولة لخفض الإيرادات المتدفقة إلى موسكو والتى يمكن استخدامها لتمويل حربها ضد أوكرانيا.

هذا ما أكدته أيضا شركة “سيمنز إنرجى” للخدمات فى مجال الطاقة، إذ قالت إن تبرير شركة “غازبروم” الروسية لوقف إمدادات الغاز الطبيعى عبر خط “نورد ستريم 1″، غير منطقية، مؤكدة أن هذا القرار “سياسى” لمعاقبة أوروبا، رداً على مناقشة وزراء مالية دول مجموعة السبع الصناعية الكبرى اقتراح فرض سقف سعر على مبيعات النفط الروسى.

معركة الغاز

وعلى الرغم من طرح هذا المقترح، إلا أن هناك شبه إجماع فى سوق الطاقة العالمية على أن تطبيقه ليس ممكناً لأسباب عديدة. أولها، أنه يتطلب انصياع روسيا لسقف السعر هذا. وكررت روسيا الإعلان عن أنها لن تقبل بذلك، كما أن تطبيق سقف السعر بشكل فعال، الذى يحرم روسيا من العائدات السخية لمبيعاتها النفطية، يحتاج إلى التزام أغلب دول العالم المستوردة للنفط الروسى بما تقرره أمريكا والغرب. وبالنظر لأن محاولة استصدار قرار بإدانة روسيا بسبب حرب أوكرانيا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة أظهر أن نصف العالم على الأقل لا يوافق على الموقف الأمريكى والغربى، فإن شرط فاعلية سقف السعر قد لا يتوفر.

وترى صحيفة “التايمز” البريطانية، إن روسيا قد صعدت حرب الطاقة مع أوروبا بقرار تعليق إمدادات الغاز عبر خط أنابيب “نورد ستريم 1” إلى أجل غير مسمى، مشيرة إلى أن إلغاء موسكو الموعد النهائى لإعادة فتح خط الأنابيب هى خطوة من المرجح أن تثير مزيدا من الاضطرابات فى أسواق الطاقة.

وأضافت أنه على الرغم من أن بريطانيا لا تعتمد على “نورد ستريم 1” للحصول على الغاز، إلا أن وقف الخط سيؤدى على الأرجح إلى رفع تكلفة الغاز بالجملة، وهو ما كان وراء الارتفاع المتصاعد فى أسعار الطاقة، كما أن التعليق سيؤدى أيضا إلى زيادة الضغط على ليز تروس إذا أصبحت رئيسة للوزراء فى بريطانيا فى الوقت الذى تحاول فيه وضع حزمة مساعدات لمواجهة أزمة تكاليف المعيشة على خلفية تدهور الأوضاع المالية للحكومة.

روسيا تضيق الخناق على أوروبا

الحقيقة أن إعلان “غازبروم” بوقف ضخ الغاز الطبيعى إلى أوروبا خطوة حاسمة فى إطار حرب الطاقة بين روسيا والغرب، ومن شأنها أن تفاقم أزمة الطاقة التى أدت بالفعل إلى ارتفاع أسعار بيع الغاز بالجملة أكثر من 400 % منذ أغسطس العام الماضى، مما تسبب فى أزمة مؤلمة بتكلفة المعيشة للمستهلكين وزيادة التكاليف على الشركات وأجبر الحكومات على إنفاق المليارات لتخفيف العبء.

وقد حذر الخبراء من أن النقص الحاد فى الطاقة فى فصل الشتاء قد يؤدى إلى انهيار سوق الكهرباء المترابط فى أوروبا، والذى تعتمد عليه الكثير من الدول والتى تحاول الحفاظ على الكهرباء فى أوقات ذروة الطلب، إذ قال سيرجى فاكولينكو، خبير الطاقة فى تصريحات أوردتها صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، إن روسيا تأمل فى أن يجبر نقص الطاقة فى فصل الشتاء أوروبا على المطالبة بالغاز والموافقة على الأقل على بعض شروطها بشأن أوكرانيا.

كذلك، قال سيمون تاجليابيترا، الزميل البارز فى مؤسسة Bruegel الفكرية لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إن الإعلان الأخير لروسيا كان مؤشرا على أن الشتاء الذى لا يحتوى على غاز روسى، يجب أن يعامل على أنه السيناريو المركزى لأوروبا.

وأضاف: “هناك طريقة واحدة فقط للاستعداد لذلك، وهى تقليص الطلب على الغاز والكهرباء، لذلك يجب أن تكون هذه أولوية السياسة الرئيسية لأوروبا”.

أزمة طاقة

وعلى الرغم من تقديرات وكالة الطاقة الدولية بأن أوروبا خفضت اعتمادها بالفعل على الغاز الطبيعى الروسى بنسبة تصل إلى 75%، فإن القارة العجوز ما زالت تعتمد على ذلك الغاز، ولم تتمكن بعد من تعويضه من مصادر أخرى، كما تحتاج أوروبا، فضلاً عن الزيادة الموسمية فى فصل الشتاء، إلى ملء مخزوناتها من الغاز الطبيعى التى استنفدت أكثر من نصفها فى الأشهر الماضية.

وكانت المفوضية الأوروبية أصدرت قراراً بضرورة ملء تلك المخزونات فى دول الاتحاد الأوروبى بنسبة 90% قبل نهاية شهر سبتمبر الحالى على الأقل، لتفادى أزمة فى فصل الشتاء تعنى انقطاع الكهرباء وربما تتسبب فى وفيات نتيجة عدم توفر التدفئة.

خلاصة القول إنه فى حال استمرار حرب الطاقة ولجوء روسيا إلى وقف المزيد من الإمدادات إلى أوروبا، لن تتمكن كثير من دول القارة العجوز من ملء مخزوناتها، بالتالى ستواجه صعوبة فى توفير احتياجات فصل الشتاء، فضلاً عن أن المتوفر حتى فى السوق الفورية العالمية من غاز طبيعى مسال عالى التكلفة، لن يكون كافياً لتعويض الغاز الروسى المتوقف، الأمر الذى ينذر بأزمة أوروبية كبرى تهدد جهود حماية البيئة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button