فن ومنوعات

بعد 400 مليون سنة من ظهورها.. الحشرات مهددة بالفناء

تسببت ظاهرة الاحتباس الحراري في وصول الحشرات إلى الحد الأقصى من تحمّلها الحراري، ما يُهدد بقاءها.

وهناك أيضًا أنواع تعيش في المناطق الباردة، وأخرى تسكن البيئات المعتدلة، وهناك أنواع منها حاملة للأمراض وأخرى مفيدة يستغلها البشر، لكن على أي حال، جميع أنواع الحشرات مهمة لحفظ التوازن البيئي.

ولأنّ الحشرات -رغم أنّ متوسط أحجامها صغير نسبيًا- إلا أنها تُساعدنا على فهم التغيرات المناخية حولنا. مع ذلك؛ فقد لم تكن آثار الاحترار الحراري على الحشرات مؤكدة؛ بسبب ضعف وندرة البيانات المتاحة المتعلقة بمدى تحمل الحشرات الاستوائية للحرارة؛ خاصة وأنها متكيفة مع الحرارة المرتفعة بحكم أنها تسكن بيئة قريبة من خط الاستواء مرتفعة الحرارة. لكن ماذا يحدث عندما ترتفع درجات الحرارة عن المعتاد؛ خاصة مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمي بمقدار يتراوح بين 1.3 إلى 1.4 درجة مئوية؛ مقارنة بمستويات عصر ما قبل الصناعة.

وفي هذا الصدد، أجرت مجموعة بحثية دولية، دراسة للبحث في قدرة الحشرات على تحمل الحرارة في ظل التغيرات المناخية، وتُشير الدراسة المنشورة في دورية “نيتشر” (Nature) في 4 مارس/آذار 2026، إلى أنّ الحشرات الاستوائية تعيش بالقرب من الحد الأقصى لتحملها الحراري، ما يُهدد حياتها.

فرضية جانزن

في ورقته البحثية الشهيرة (Why Mountain Passes are Higher in the Tropics) المنشورة عام 1967، يقترح عالم البيئة الأمريكي “دانيال جانزن” (Daniel H. Janzen)، أنّه يصعب على الكائنات الحية في المناطق الاستوائية التكيف عند العيش في المناطق المرتفعة مثل الجبال، ليس بسبب الارتفاع نفسه، إنما بسبب اختلاف درجات الحرارة.

وتُشير الدكتورة “كيم هولزمان” (Kim L. Holzmann)، الباحثة في كرسي علم البيئة الحيوانية وعلم الأحياء الاستوائية بجامعة يوليوس-ماكسيميليان في فورتسبورغ (JMU) بألمانيا والمؤلفة الرئيسية للدراسة إلى فرضية جانزن في حوارها الخاص مع العين الإخبارية، قائلة: “إنّ الحشرات من ذوات الدم البارد؛ أي أنها لا تستطيع تنظيم درجة حرارة أجسامها ذاتيًا؛ وإنما تعتمد على درجات الحرارة المحيطة، ما يجعلها أكثر عرضة للتغيرات في درجات الحرارة في المقام الأول”. وتتابع: “تطورت الحشرات الاستوائية في ظل درجات حرارة مستقرة نسبيًا؛ مقارنة بالحشرات المعتدلة التي تتعرض لتقلبات موسمية، وهذا ما أشارت إليه فرضية جانزن، ودعمت دراستنا هذا الأمر بصورة أكبر من خلال مجموعة بيانات غير مسبوقة تصنيفيًا حول تحمل الحرارة”.

تدرّج

جمع مؤلفو الدراسة بيانات ميدانية لنحو 2300 نوع من الحشرات بين عامي 2022 إلى 2023، من مناطق غابات استوائية حارة ومناطق مرتفعة أبرد. بعد ذلك، قارنوا بين درجات الحرارة في البيئة الطبيعية وبين حدود التحمل الحراري العليا والدنيا للحشرات. وشملت المقارنة أنواعًا تعيش على امتدادات ارتفاعية مختلفة في المناطق الاستوائية بأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بعد ذلك حللوا الأساس الجيني (genomic signatures) المرتبط بقدرة تلك الحشرات على تحمل الحرارة من خلال تتبع هذه الصفات على مستوى شجرة تطور الحشرات.

وتشرح هولزمان في حديثها مع “العين الإخبارية”: “يستخدم مشروعنا التدرجات الارتفاعية كتجارب طبيعية لتغير المناخ، وهذا يتطلب وجود تدرج كبير قدر الإمكان وبيئة متصلة وقليل من التقلبات الموسمية، تمامًا كما هو الحال في البيئات الاستوائية”. وتتابع: “تنخفض درجة حرارة الهواء بشكل خطي مع ازدياد الارتفاع، ما يسمح لنا بدراسة استجابة مجتمع الحيوانات لتغيرات درجة الحرارة”.

تكيّف محدود

خلص مؤلفو الدراسة إلى أن هناك تباينا في قدرات الحشرات على تحمل الحرارة المرتفعة؛ فعلى سبيل المثال، الأنواع التي تعيش في المرتفعات أظهرت قدرة على زيادة تحملها الحراري مؤقتا، لكن الأنواع التي تعيش في الأراضي المنخفضة، أي الأراضي الاستوائية، تفتقر إلى تلك القدرة، ما يجعل قدرتها على التكيف مع تغير المناخ محدودة، وذلك بدوره يؤدي إلى انخفاض أعداد الحشرات، ويهدد المناطق ذات التنوع البيولوجي العالي.

ويعود التباين في القدرة على تحمل الحرارة المرتفعة إلى بنية البروتينات وثباتها الحراري، وتلك الصفات لديها جذور تطورية ومحفوظة داخل شجرة تطور الحشرات، ولا يمكن تعديلها بسرعة؛ فهي عملية تستغرق سنوات طويلة، ما يجعل التكيف الحراري محدودا بيولوجيا، وفي الوقت نفسه عميق الجذور.

وتوضح الدكتورة كيم هولزمان أن الدراسة تشير إلى أن التكيف المحلي والخلفية التطورية يلعبان دورا محوريا في تحديد القدرة على تحمل الحرارة. وتتابع قائلة لـ”العين الإخبارية”: “يظهر مجتمع الحشرات تغيرا على طول التدرج، حيث توجد أنواع أكثر تحملا للحرارة في الأراضي المنخفضة الأكثر حرارة”.

وتشرح هولزمان لـ”العين الإخبارية” تفاصيل دراستهم للجانب الجيني للقدرة على التحمل الحراري، قائلة: “أجرينا مقارنة بين تراكيب البروتينات ورتب وفصائل الحشرات، ووجدنا تباينا كبيرا أيضا؛ فهناك مجموعات من الحشرات لديها تراكيب بروتينية أقل استقرارا، مرتبطة بانخفاض تحملها للحرارة، وقد يكون هذا مؤشرا على أن تحمل الحرارة صفة محفوظة بشدة”.

وتضيف، مشيرة إلى بروتينات الصدمة الحرارية، وهي بروتينات مهمة في الاستجابة الحرارية، فتقول لـ”العين الإخبارية”: “وبينما يمكن لبروتينات الصدمة الحرارية أن تزيد تحمل الحشرات في المرتفعات المتوسطة والعالية للحرارة، فلم تكن الاستجابة واضحة في المرتفعات المنخفضة، وهذا مؤشر آخر على أن حشرات الأراضي المنخفضة قد اقتربت بالفعل من حد تحملها للحرارة”.

هشاشة

تعمل الدكتورة كيم هولزمان مع زملائها من خلال مشروعهم على تسليط الضوء على الأراضي المنخفضة في الأمازون تحديدا، خاصة وأنها تعاني من الهشاشة في ظل عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بلا توقف؛ إذ تشير التوقعات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة حتى عام 2100 سيكون الأعلى في تلك المنطقة على وجه الخصوص، وفي المواقع الأخرى التي شملتها الدراسة أيضا. وتقول هولزمان لـ”العين الإخبارية”: “لن تقتصر المخاطر على سطح الأرض فحسب، بل ستشمل حتى درجة حرارة الهواء، ما سيؤثر بشكل كبير على نسبة كبيرة من مجتمع الحشرات”.

وتابعت: “في الأراضي المنخفضة، نجد أن الحشرات تفتقر إلى القدرة على التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يعني أنها لا تستطيع تجنب الحرارة إلا من خلال سلوكها، كالبحث عن الظل أو الصعود إلى الجبال. لكن من غير المرجح أن تتطور قدرتها على تحمل درجات الحرارة المرتفعة في ظل معدلات ارتفاع درجات الحرارة الحالية”.

عواقب

وتؤكد الدراسة على العواقب الوخيمة التالية لانخفاض أعداد الحشرات، خاصة وأنها تلعب دورا محوريا في دعم النظم البيئية وحفظ توازنها. وتعلق الدكتورة كيم هولزمان، قائلة لـ”العين الإخبارية” إن “الحشرات من المكونات الأساسية في النظام البيئي، وترتبط ارتباطا وثيقا بشبكة واسعة من وظائفه؛ فهي تشكل قاعدة للعديد من الشبكات الغذائية. لذلك، فإن انخفاض أعدادها قد يؤدي إلى انخفاض أعداد الطيور التي تتغذى عليها، وبالتالي انخفاض أعداد الحيوانات المفترسة الأكبر حجما، وهذا يعني أن النظام البيئي قد ينهار إذا اختفى جزء كبير من قاعدة الشبكة الغذائية”.

وتختتم حديثها مع “العين الإخبارية” قائلة: “إن الحشرات من الملقحات المهمة التي تيسر عملية التكاثر للعديد من النباتات البرية والمحاصيل الزراعية، ما يسهم في الإنتاج الغذائي العالمي. إضافة إلى ذلك، فالحشرات تعمل كمحللات تفكك المواد العضوية الميتة وتعيد تدوير العناصر الغذائية إلى التربة، ما يعزز خصوبتها ويحافظ عليها وعلى إنتاجية النظام البيئي بصورة عامة، كما تحسن العديد من أنواع الحشرات بنية التربة من خلال أنشطتها في الحفر، وهي تعد من عوامل مكافحة الآفات الطبيعية”.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button