الشعلة

حكايات جنود “الجيش الأبيض” في مواجهة الفيروس اللعين

رغم ضعف ونقص الإمكانات وحالة الجدل والهلع التي انتابت الأطقم الطبية في سائر أنحاء العالم ووقوع بعضهم ضحايا لفيروس كورونا المستجد، لم يتخلَ الأطباء المصريون عن مرضاهم، ولم يتركوا أماكنهم فارغة، بل وقفوا شامخين كالجبال يؤدون واجبهم بكل إخلاص وتفان مؤمنين بأنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم.
في هذا التقرير نقدم حكايات جنود في الجيش الأبيض ارتضوا أن يكونوا مجهولين لكن يملؤهم الحماس بالنصر والفوز والقضاء علي هذا الفيروس اللعين ولسان حالهم يقول إما النصر أو الشهادة فإلي التفاصيل
بين دوره كطبيب يرى واجبه فى تقديم الرعاية الطبية للمرضى، وبين خوفه من الإصابة بالعدوى ونقلها إلى أفراد أسرته، تختلط مشاعر الدكتور أحمد يوسف، وداخل غرفة مُظلمة اعتاد الجلوس منفردا بعد انتهاء عمله، يرفض استقبال والديه أو أقاربه خوفا عليهم من الاختلاط بِه، فطالما اعتاد الطبيب الثلاثينى قضاء عدة ساعات مع أطفاله، إلا أن تعامله مع المرضى داخل المستشفى وإمكانية تعرضه للعدوى، أجبره على عدم التواصل مع أطفاله دون أن يعلموا السبب الحقيقى لصغر سنهم.
لن تسقط تفاصيل تلك الليلة من ذاكرة الدكتور «أ.ح»، إخصائى الأمراض الصدرية، عندما استقبل مستشفى حميات إمبابة، إحدى حالات اشتباه مصابة بفيروس «كورونا»، وكان لزاما على بهاء، الطبيب الشاب التعامل معها، وقتها غاب عن ذاكرته أفراد عائلته ولم يبق سوى واجبه فقط.
فيما يرى الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس، أن فيروس «كورونا» قد غير حياة بعض فئات من الأطباء وليس جميعهم، لأن حياة طبيب الطوارئ والعناية المركزة وجراحات المخ والأعصاب مضغوطة طوال ٢٤ ساعة، بينما طرأ التغيير على أطباء الحميات والصدر فقط بسبب تعاملهم المباشر مع المصابين بكورونا، وأوضح سمير أن كورونا سلط الضوء على الخلل الموجود فى ثقافة المجتمع، وهى أهمية حياة البشر ودور الطبيب فى الحفاظ عليها، وقال: «فى الماضى كنا نعانى من الاعتداءات علينا داخل المستشفيات، واختفت تلك الظواهر السلبية الآن وأصبح الجميع يتابع التطورات السريعة للفيروس، وهو ما يؤكد تغيير الثقافة لدى الشعب المصرى.
وأكد الدكتور محمد الفوال، أمين صندوق مساعد نقابة الأطباء بالشرقية، أن الطبيب يدافع الآن عن مصر مثل الجندى على الجبهة، فهو يعالج المرضى بأقل الإمكانيات، إلا أن الواجب يحتم علينا خدمة المرضى والمصابين بالفيروس من أجل مصر، والتاريخ يشهد على الطبيب بأنه لم يتأخر على شعبه أو يخذله طوال السنين الماضية سواء فى الحروب والثورات والأزمات، لأنه فى تلك الأوقات يسقط كل شيء ويعلو العلم وحده. وذكر الفوال أن مصر محتاجة كل جهودنا ولكننا فى حاجة إلى تقدير من الدولة والشعب، لا يوجد طبيب واحد يرغب فى الهجرة والعمل فى الخارج إذا وفرت له الدولة حياة كريمة، لم يكن يعلم محمد مجدى أن تخصصه فى أمراض الصدر قد يعرضه للإصابة بفيروس «كورونا»، خاصة أن مريض الصدر يعانى من الكحة المستمرة والبلغم وارتفاع درجة الحرارة، وجميعها أعراض الفيروس، ولا يستطيع الطبيب التفرقة بين المصاب بالفيروس ومريض الصدر دون إجراء تحليل، لتتحول حياة الطبيب الشاب ما بين ليلة وضحاها ١٨٠ درجة على حد تعبيره.
لحظات من التفكير يقضيها مجدى يوميا بعد انتهاء فترة عمله داخل مستشفى حميات إمبابة، يحاول فيها رسم ابتسامة باهتة لطمأنة زوجته وأطفاله الثلاثة، رغم كونه طبيبا إلا أنه يخشى لقاء والديه المسنين أو محاكاة أطفاله أو الحديث مع زوجته ليفضل الصمت لساعات دون قول كلمة واحدة. وقال مجدى «التعامل بالحذر لا يمنع الإصابة بالفيروس، مهما اتخذ الطبيب احتياطاته لأنه يختلط بشكل مباشر مع المريض، ونقف جميعا حائرين أمام الفيروس فى ظل غياب المعلومات المحددة، فيوميا تصدر معلومات من خلال النشرات العلمية على مستوى دول العالم، ويتم تكذيبها فى اليوم التالى، مما يجعل كورونا فيروس مجهولا ولا ندرى كيفية القضاء عليه».
محمد أمين، إخصائى العناية المركزية، سافر إلى جدة وعمل داخل أحد المستشفيات الخاصة، للإنفاق على زوجته الشابة وطفلته الرضيعة، عام مضى عليه دون رؤية زوجته أو عائلته قضاها وحيّدا على أمل اللقاء والعودة إلى مصر فى شهر مارس الماضي، لكنه لم يكن يعلم أن قرار عودته بات معلقا بالقضاء على فيروس «كورونا» بعدما أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولى، تعليق حركة الطيران فى كافة المطارات المصرية، لاحتواء انتشار احتواء فيروس كورونا. «الحياة فى الغربة والحرمان من عائلتى الصغيرة إحساس لا يمكن وصفه».. بهذه الكلمات وصف أمين حاله وقال: «لم أقض مع طفلتى منذ ولادتها سوى ٣ أشهر فقط، لم أراها وهى تخطو خطواتها الأولى، وحرمت من سماع كلمة بابا، أفتقدها بشدة وقلقان على أمى المسنة بسبب الانتشار السريع للفيروس، وخطورته على كبار السن وكنت أحسب الأيام المتبقية لنزولى إلى مصر ولم أكن أتوقع أن حلم السفر للعمل فى الخارج سأدفع فاتورته غاليا وهو حرمانى من عائلتى».
أمين يحاول نقل خبرته التى اكتسبها من خلال عمله بأحد مستشفيات جدة، عن طريق التواصل مع زملائه الأطباء فى مصر، وقال: «نتلقى طول الوقت محاضرات واجتماعات وتدريبات على مكافحة العدوى بشكل عام وكيفية التعامل مع حالات الكوفيد، وتقريبا شبه يوميا نستقبل تحديثات مستمرة من جميع دول العالم فى أماكنا، واستفدت بها فى حياتى العملية والمهنية».
وقال الدكتور أحمد عبدالرؤوف طبيب الصدر: أن الطبيب مثل باقى البشر قد يصاب بضغوط نفسية واجتماعية، قد لا يدرِكها البعض، ويواجه تحدِّيات إجرائية وإدارية فى كل مجتمع، فقد لا يستطيع تهيئة الجوِّ المناسب لأداء عمله فى بعض المجتمعات، وطالب بعدم الاستسهال وتوفير جميع المستلزمات الوقائية داخل المستشفيات من أجل السيطرة على الفيروس ومنع انتشاره. ووجه الفوال رسالة إلى المواطنين شعارها «حياة ولادك أهم»، ونصح بالحفاظ على سلامة الأطفال من خلال منعهم من النزول إلى الشارع، واحتفظ بمطهر فى جيبك واحرص على استخدامه طوال ساعات اليوم، لأن فيروس «كورونا» ضعيف خارج الجسم ويمكن بسهولة القضاء عليه من خلال الالتزام بالنظافة الشخصية، إلا أنه قوى جدا فى حالة دخوله إلى جسم الإنسان. وطالب الفوال بتكاتف الجميع للخروج من الأزمة، شعبا وحكومة وأطباء، لأنه لن نستطيع السيطرة على «كورونا» بمفردنا دون جهود الآخرين.

 

مقالات ذات صلة

شركات الطيران الإماراتية تستأنف رحلاتها إلى 32 دولة 

admin

الأسد يجدد الحديث عن عودة سوريا إلى مقعدها بجامعة الدول العربية

admin

طريقة تعامل حكومة مصطفي مدبولي مع أزمة كورونا.. تعرف عليها

admin