التراث الدينيتوب ستوري

الجذور التاريخية لفريضة الحج

لا يرتبط تاريخ الحج بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون وحدهم، بل يرتبط بما قبل ذلك أي بتاريخ أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، فللحج تاريخ عظيم يزيد من أهميته ومكانته في قلوب المؤمنين. قام إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ببناء بيت الله في صحراء عربية قاحلة بعد أن رفضا الشرك في العراق وتوجها إلى المكان الذي يقدران فيه على عبادة الله تعالى وحده، فأمرهما الله ببناء هذا البيت ليكون مكاناً لعبادة الله وحده دون شريك، وأخذ المؤمنون من الكعبة مكاناً مقدساً يحجون إليه كلّ عام كما فعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وبقي الأمر كذلك حتى دخلت عبادة الأصنام إلى مكة المكرمة فقام العرب آنذاك بنصب الأصنام في بيت الله الحرام وأصبحوا يحجون إلى البيت بهدف التقرب إلى الأصنام، وعندما بعث الله بنبيه الكريم محمد -عليه الصلاة والسلام- وفتح عليه السلام هو ومن معه من المؤمنين مكة وحرروها من الوثنية حجوا أول حجة للمسلمين في بيت الله الحرام بعد أن فرضها الله عليهم، وقام الرسول عليه السلام بتعليم المسلمين مناسك الحج التي نؤديها اليوم على نفس المنهج.

   يصف القرآن الكريم الكعبة بأنها أقدم بيت للعبادة على وجه الأرض، بناه الملائكة حتى قبل أن ينزل آدم إلى الأرض، وتعرض للهدم بعد الطوفان الذي شهده عهد النبي نوح، ليبنيه من جديد نبيا الله إبراهيم وإسماعيل.كما أن أحد الملائكة هو جبرائيل تدخل أثناء بنائه وقدم لإبراهيم وإسماعيل الحجر الأسود الذي يعتقد المسلمون أن مصدره الجنة وهو الحجر الذي يتبرك به المسلمون أثناء الطواف حول البيت الذي يحمل هذا الحجر في أحد أركانه.

و “الكعبة” كمكان مقدس كانت موجودة قبل الإسلام، وكان يحج إليها الناس من كل مكان في محيطها الشاسع الذي يعرف اليوم بشبه الجزيرة العربية. فمكة كانت حتى قبل مجيء الإسلام ملتقى طرق كبير بحكم موقعها الجغرافي في قلب شبه الجزيرة العربية تتوافد عليها القوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة ذهابا وإيابا من الشمال نحو الجنوب ، ومن الغرب نحو الشرق. وكان للحج موسم عند العرب القديمة يقابل فصل الربيع والخريف، وكان يمتد لمدة ثلاثة أشهر  حتى يتمكن أكبر عدد من الحجاج من كل مناطق شبه الجزيرة العربية الحضور إلى ما كان يعتبر أكبر ملتقى تجاري وثقافي في ذلك الزمان.

وكانت أشهر الحج تعرف عند العرب  بالأشهر الحرام، وسميت كذلك لأن العرب اتفقت على تحريم القتال فيما بينها خلال فترة الحج . وبسبب شهرة مكة في ذلك الزمن القدم كملتقى تجاري كبير، حاولت الكثير من القبائل العربية أن تبنى لنفسها “بيوتا مكعبة” أو “كعبات” في إطار التنافس التجاري بينها لتُشَدّ إليها رِحال القوافل التجارية آنذاك. وعندما جاء الإسلام كانت توجد في شبه الجزيرة العربية أكثر من كعبة، وكانت توجد بكعبة مكة عدة أصنام لكل قبيلة عربية صنمها بل ولكل قبيلة عربية “تلبيتها” أي دعوتها أثناء طوافها حول الكعبة وكلها كانت تبدأ بالتلبية التي مازال معمول بها حتى اليوم: “لبيك اللهم لبيك..” . وحتى بعد أن جاء الإسلام حافظ على الكثير من تلك العادات والتقاليد والطقوس التي كانت سائدة عند العرب قديما أثناء حجهم إلى مكة.

ولعل ما أكسب “كعبة” مكة شهرتها، هو بالإضافة إلى تاريخ قداستها، هو وجودها أيضا بمكة التي كانت آنذاك بمثابة “منطقة حرة” للتجارة. فالمعروف أن مكة لم تخضع لأي من ممالك ذلك الزمان، وهو ما جعلها فضاء مفتوحا لجميع القوافل التي كانت تعبر المنطقة. ولم يكن الحج قديما كله عبادات وطقوس، وإنما كان أيضا فرصة للتجارة وفضاء ثقافيا مفتوحا يتبارى فيه الشعراء، بل وكان يعد واحدا من أهم الملتقيات الثقافية في ذلك الزمان يقصده الشعراء لإلقاء قصائدهم، و قد خلف لنا التراث العربي قصائد تسمى “المعلقات” كانت تعتبر من أحسن ما شعرته العرب، وسميت كذلك لأنه كان يعتقد أنها كانت معلقة على ستائر الكعبة، رغم تشكيك الكثير من كتب التراث والباحثين في ذلك.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق