من الترفيه للتوعية.. كيف تحولت دراما رمضان إلى منصة لدعم المجتمع المصري؟

لم تعد الدراما الرمضانية المصرية مجرد مساحة للترفيه أو متابعة الحكايات المشوقة، بل بدأت تتجاوز هذا الدور لتصبح وسيلة مؤثرة في توجيه الوعي المجتمعي والتعامل مع قضايا تمس حياة الجمهور اليومية.
وخلال الموسم الحالي، اتجه عدد من صنّاع الدراما إلى دمج رسائل توعوية مباشرة داخل سياق الأحداث، بل ووصل الأمر إلى إدراج أرقام خطوط ساخنة رسمية على الشاشة، تتيح للمشاهدين الحصول على الدعم أو الإبلاغ عن مشكلات واقعية مثل العنف الأسري أو الابتزاز الإلكتروني أو الإدمان.
هذا التحول اللافت يعكس إدراكًا متزايدًا لدور الفن في خدمة المجتمع، إذ لم تعد الرسالة التوعوية تقدم بشكل مباشر أو تقليدي، بل أصبحت جزءًا من البناء الدرامي نفسه، بحيث تصل المعلومة إلى الجمهور بشكل طبيعي ومؤثر.
وبرز هذا الاتجاه في عدة أعمال درامية خلال موسم رمضان، من بينها “اتنين غيرنا” و”توابع” و”عين سحرية” و”حد أقصى”، إلى جانب مسلسل “أب ولكن”، حيث قدّم كل عمل نموذجًا مختلفًا لتوظيف الدراما في التوعية الاجتماعية والصحية والقانونية.
“اتنين غيرنا” والعنف الأسري
سلّط مسلسل “اتنين غيرنا”، بطولة آسر ياسين ودينا الشربيني، الضوء على قضية العنف الأسري ضد المرأة من خلال طرح واقعي ومباشر. وشهدت الحلقة الثامنة من العمل مشهدًا مؤثرًا تتعرض فيه شخصية “وفاء”، التي تجسّدها الفنانة صابرين النجيلي، للضرب على يد زوجها.
وخلال المشهد ظهر على الشاشة رقم الخط الساخن لمكتب شكاوى المرأة “15115”، لتقديم الدعم المباشر للنساء اللاتي يتعرضن للعنف.
وقد حظيت هذه المبادرة بإشادة واسعة من مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية، وكذلك المجلس القومي للمرأة، حيث اعتبر الطرفان أن إدراج الخط الساخن ضمن الأحداث الدرامية يسهم في تعزيز ثقافة الإبلاغ عن العنف، وحماية الضحايا، وتحويل الدراما إلى أداة فاعلة للتغيير الاجتماعي.
الصمت ليس حلًا
من جانبها، أوضحت الفنانة المصرية صابرين النجيلي في تصريحات لموقع “القاهرة الإخبارية” أنه من أصعب المشاهد التي قدمتها في العمل كان مشهد تعرض شخصية “وفاء” للعنف على يد زوجها، لما حمله من ضغط نفسي واستنزاف عاطفي.
وأشارت إلى أن لحظة ظهور رقم الشكاوى في نهاية المشهد كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لها، لأنها تحمل رسالة واضحة لكل امرأة تتعرض للإيذاء بأن الصمت ليس حلًا، وأن القانون يوفر سبل الحماية والدعم.
وأضافت أنها تتمنى أن يخرج الجمهور من العمل ليس فقط مستمتعًا بالأحداث، بل حاملًا رسالة واضحة برفض العنف ضد المرأة، موجهة نصيحة لكل سيدة تتعرض للإيذاء بأن تطالب بحقها وألا تستسلم للخوف أو الضغوط، مؤكدة أن الحماية متاحة لمن تسعى إليها.
“توابع”.. يدعم النساء المعنّفات
بدوره، تناول مسلسل “توابع” القضية نفسها من زاوية مختلفة، حيث جسدت الفنانة ريهام حجاج شخصية “شهيرة” التي تتعرض للعنف من زوجها “هاني العسال”. وخلال أحد المشاهد، ظهر رقم الخط الساخن “15115” الخاص بالمجلس القومي للمرأة لتشجيع النساء على الإبلاغ وعدم السكوت عن العنف.
كما نشرت ريهام حجاج رسالة عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي أكدت فيها ضرورة الوقوف بجانب المرأة المعنّفة وتشجيعها على طلب الدعم القانوني والنفسي.
من جانبها، أكدت الفنانة أنوشكا في تصريحات لموقع “القاهرة الإخبارية” أن الدراما يمكن أن تتجاوز دورها الترفيهي لتصبح قوة مؤثرة في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، بل والمساهمة في تطوير القوانين وتغيير النظرة النمطية تجاه العديد من القضايا.
حماية المواطنين
وقال المخرج المصري يحيى إسماعيل لموقع “القاهرة الإخبارية”، إن فكرة نشر أرقام الخطوط الساخنة داخل الأعمال الدرامية تأتي في إطار رسالة واضحة للمشاهدين، تهدف إلى تذكيرهم بأن هناك مؤسسات رسمية مسؤولة عن حماية المواطنين وتقديم الدعم لكل من يتعرض للعنف أو الأذى.
وأوضح أن إدراج هذه الخطوط الساخنة يمثّل نوعًا من المساندة العملية لكل متضرر، ويشجع المشاهدين على التواصل مع الجهات المختصة عند الحاجة، مع زيادة وعيهم بالسبل القانونية والنفسية المتاحة للحصول على الدعم.
وأشار إلى أن هذه الخطوة ليست مجرد تفاصيل إضافية في العمل الفني، بل هي إضافة اجتماعية مهمة تعكس دور الدراما في خدمة المجتمع، إذ تتيح للجمهور إمكانية الاستفادة من الرسائل التوعوية بطريقة سلسة ومتصلة بسياق الأحداث، دون أن يشعر المشاهد بأنها مادة تعليمية منفصلة عن الحبكة الدرامية.
عين سحرية”.. رسالة توعوية
لم تقتصر الرسائل التوعوية على القضايا الاجتماعية فقط، بل امتدت إلى المجال الصحي، كما ظهر في مسلسل “عين سحرية”، الذي أدرج في تتر النهاية رقم الخط الساخن للهيئة المصرية للدواء “15301” لتلقي الاستفسارات والشكاوى المتعلقة بالأدوية.
وجاءت هذه الخطوة بهدف تعزيز الثقافة الدوائية لدى الجمهور وتشجيع المواطنين على التواصل مع الجهات المختصة عند وجود أي شكوك حول سلامة الأدوية، وهو ما يعكس تعاون الدراما مع المؤسسات الرسمية لتقديم معلومات مهمة للمشاهدين بأسلوب جذاب ومؤثر.
“حد أقصى”.. تحذير من الابتزاز الإلكتروني
أما على مستوى التوعية القانونية والرقمية، فقد تناول مسلسل “حد أقصى” قضية الابتزاز الإلكتروني خلال أحداث الحلقة الثالثة عشرة، حيث تضمنت الحلقة مشاهد تحذّر الفتيات والسيدات من الانتهاكات الرقمية.
كما حملت الحلقة رسالة واضحة مفادها أن الابتزاز هو الجريمة وليس الضحية، إلى جانب إدراج تنويه في التتر يحمل طابعًا نفسيًا وقانونيًا لدعم الضحايا، في خطوة تعكس الدور التوعوي للدراما في تعريف الجمهور بطرق مواجهة الجرائم الإلكترونية وحماية الحقوق الرقمية.
“أب ولكن”
وامتد الدور التوعوي أيضًا إلى قضية الإدمان، كما ظهر في الحلقة الحادية عشرة من مسلسل “أب ولكن”، بطولة محمد فراج وهاجر أحمد وركين سعد.
وخلال الحلقة، جسّد محمد فراج شخصية “أدهم” وهو تحت تأثير المخدرات ويعاني من الإدمان، حيث حرص العمل على توجيه المشاهدين مباشرة إلى الخط الساخن لعلاج الإدمان “16328”، مع رسالة واضحة تقول: “عند حدوث أعراض غريبة أو الشك في الإدمان، اتصل بالخط الساخن مجانًا للحصول على كل الدعم”.
ربط الفن بواقع الجمهور
من جانبه، يرى الناقد المصري أحمد سعد الدين أن ظهور أرقام الشكاوى والخطوط الساخنة داخل بعض الأعمال الدرامية خلال موسم رمضان الحالي لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل يعكس توجهًا واضحًا لدى صناع الدراما لربط الرسائل الفنية بالواقع المجتمعي.
وقال “سعد الدين” في تصريحات لموقع “القاهرة الإخبارية” إن إدراج هذه الأرقام يرتبط بطبيعة القضايا التي تتناولها الأعمال الدرامية، موضحًا أن المسلسل عندما يطرح قضية اجتماعية حساسة مثل العنف الأسري أو الابتزاز الإلكتروني أو غيرها من المشكلات التي قد يواجهها الجمهور، يصبح من الطبيعي أن يوفر وسيلة عملية للتواصل وطلب الدعم أو الإبلاغ عن الانتهاكات.
وأشار إلى أن الفن يقوم في الأساس على ثلاثة محاور رئيسية هي الترفيه والتثقيف والتوعية، فالمسلسل قد يجذب المشاهد عبر أحداثه المشوقة، لكنه في الوقت نفسه قادر على نقل رسالة معرفية وإنسانية تسهم في رفع وعي الجمهور بالقضايا المطروحة.
وأضاف أن إدراج أرقام الشكاوى داخل المشاهد يمثل دمجًا ذكيًا بين الرسالة التوعوية والبناء الفني للعمل، إذ يتلقى المشاهد المعلومة ضمن سياق الأحداث دون أن يشعر بأنه أمام خطاب مباشر أو توجيه تقليدي.
خطوة إيجابية
وفي السياق نفسه، أكدت الناقدة المصرية ماجدة موريس أن إدراج أرقام الخطوط الساخنة داخل الأعمال الدرامية يمثل خطوة إيجابية ومميزة، لأنه يربط الفن مباشرة بالواقع الاجتماعي ويتيح للمشاهدين معرفة طرق الدعم والتواصل في حال تعرضهم لأي مشكلات.
وقالت ماجدة موريس في تصريحات لموقع “القاهرة الإخبارية” إن الفن يجب أن يكون وسيلة لمناقشة القضايا المجتمعية والتوعية بها، خاصة أن هناك فئات كبيرة من الجمهور قد لا تكون على دراية بكيفية طلب المساعدة أو الإبلاغ عن الانتهاكات مثل العنف الأسري أو الإدمان أو الابتزاز الرقمي.
وأضافت أن ظهور أرقام الخطوط الساخنة داخل المشاهد يمنح الدراما بعدًا عمليًا، إذ لا يقتصر العمل على الترفيه أو سرد الأحداث فقط، بل يوجه رسالة واضحة للمشاهد حول سبل الدعم المتاحة.
واختتمت حديثها قائلة إن وضع الرقم في نهاية المشهد مع فصل بصري عن الأحداث الدرامية قد يكون أكثر وضوحًا للمشاهد، لكن في المجمل تبقى هذه الخطوة مهمة ومميزة وتضيف بعدًا توعويًا حقيقيًا للأعمال الدرامية.



