خير من ألف شهر، سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم

ليلة القدر في رمضان هي أكثر الليالي طلبًا وبحثًا وأعظمها أجرا، فهي ليلة سلام هي حتى مطلع الفجر كما أخبر القرآن الكريم، ومع اقتراب أوقات تحري ليلة القدر من رمضان نوضح سبب تسميتها وموعدها.
سبب تسمية ليلة القدر
نتحرى ليلة القدر في الليالي الوترية من رمضان، حيث تبدأ ليلة القدر 21 رمضان مع غروب شمس غدا الثلاثاء وحتى فجر الأربعاء، جاء عن عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: (تَحرَّوا لَيلةَ القَدْرِ في الوَتْر من العَشرِ الأواخِرِ من رمضانَ) رواه البخاريُّ.
وعن سبب تسميتها قال الإمام الماوردي: “وفي تسميتها ليلة القدر أربعة أوجه: أحدها: لأن الله تعالى قدّر فيها إنزال القرآن، الثاني: لأن الله تعالى يقدر فيها أمور السنة، أي: يقضيها، وهو معنى قول مجاهد، الثالث: لعظم قدرها وجلالة خطرها، من قولهم: رجل له قدر، ذكره ابن عيسى، الرابع: لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا وثواباً جزيلاً” [النكت والعيون].
وأضاف الإمام القرطبي وجوهًا أخرى، فقال: ” … وقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك؛ لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها، وقيل: سميت بذلك؛ لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر، وقيل: لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر، وقيل: لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة، وقال سهل: سميت بذلك؛ لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين، وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة، كقوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: ٧] أي: ضُيّق” [الجامع لأحكام القرآن].
ليلة القدر في القرآن
فهي ليلة ذات قدر عظيم، نزل فيها كتاب ذو قدر، على رسول ذي قدر، لأمة ذات قدر، يقول الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: ٢ – ٣].
وهي ليلة التقدير تُكتب أقدار العام القادم. يُكتب من يعيش ومن يموت، من يسعد ومن يشقى، ومن يُرزق ومن يُحرم. يقول تعالى في سورة الدخان: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: ٤].
تنزل الملائكة والحكمة من ذلك: إن نزول الملائكة يملأ الأرض بالسكينة والرحمة، قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَابِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [القدر: ٤]، والروح هو جبريل عليه السلام، ينزلون بكل أمر قضاه الله، وتظل هذه الليلة “سلامًا”؛ أي سالمة من كل شر وأذى، لا يُقدر فيها إلا السلامة والخير والرحمة، ويسلم فيها المؤمنون من عذاب النار بتوبة الله عليهم، ولا يزال هذا السلام والسكينة والعتق من النيران ممتدًا حتى يؤذن الفجر.
يقول الحافظ ابن كثير: “يكثر تَنَزُّلُ الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له” [تفسير القرآن العظيم].
وقال العلامة ابن عاشور: “… وظاهر أن تنزل الملائكة إلى الأرض ونزول الملائكة إلى الأرض لأجل البركات التي تحفهم، والروح: هو جبريل، أي: ينزل جبريل في الملائكة، ومعنى {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: أن هذا التنزل كرامة أكرم الله بها المسلمين؛ بأن أنزل لهم في تلك الليلة جماعات من ملائكته وفيهم أشرفهم، وكان نزول جبريل في تلك الليلة؛ ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في غار حراء، وفي هذا أصل لإقامة المواكب لإحياء ذكرى أيام مجد الإسلام وفضله، وأن من كان له عمل في أصل تلك الذكرى ينبغي أن لا يخلو عنه موكب البهجة بتذكارها…” [التحرير والتنوير].
ليلة سلام واطمئنان: قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: ٥]، قال ابن عاشور: “والسلام: مصدر أو اسم مصدر معناه السلامة، … ويطلق السلام على التحية والمدحة، وفسر السلام بالخير، والمعنيان حاصلان في هذه الآية، فالسلامة تشمل كل خير؛ لأن الخير سلامة من الشر ومن الأذى، فيشمل السلام الغفران، وإجزال الثواب، واستجابة الدعاء بخير الدنيا والآخرة، والسلام بمعنى التحية، والقول الحسن مراد به: ثناء الملائكة على أهل ليلة القدر كدأبهم مع أهل الجنة، … وتنكير {سلام}؛ للتعظيم”.
وقال الماتريدي: “قيل: تنزل الملائكة: تخفق بأجنحتها بالسلام من اللَّه تعالى والرحمة والمغفرة، وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: هي ليلة سالمة، لا يحدث فيها شر، ولا يرسل فيها شيطان إلى مطلع الفجر”.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: “هو سلام الملائكة، أي: تسلم الملائكة على كل مؤمن ومؤمنة”.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: “مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ، أي: من كل آفة وبلاء سلام”.
وعَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: ٥]، قَالَ: “تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجر” (فضائل الأوقات للبيهقي).
قال بدر الدين العينى: “ليلة القدر فيها يفشى السلام من الملائكة على المؤمنين، قال الله تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: ٥]، قال الزمخشري: ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون، أي: الملائكة على المؤمنين، وقيل: لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة” [عمدة القاري، والكشاف].
وقال الحسن البصري رحمه الله: “هي ليلة يسلم فيها الملائكة على المؤمنين في مساجدهم، يمرون عليهم يقولون: السلام عليك أيها القائم، السلام عليك أيها الراكع، السلام عليك أيها الساجد، سلامٌ على القائمين والطائعين”.
قال الإمام فخرالدين الرازي: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام: “أَنَّهُمْ يَنْزِلُونَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْنَا وَلِيَشْفَعُوا لَنَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ التَّسْلِيمَةُ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُه” [تفسير الرازي].
حال الصالحين والعابدين في ليلة القدر:
١- التزين والتطيب: كان السلف يغتسلون ويتطيبون ويلبسون أحسن الثياب في الليالي التي يُرجى فيها ليلة القدر، رُوي عن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان له حُلة (ثوب ثمين) اشتراها بألف درهم، كان يلبسها في الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر تعظيماً لها.
قال ابن الجوزي: “وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَأَهَّبُونَ لَهَا، فَكَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ حُلَّةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَكَانَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ يَغْتَسِلانِ وَيَتَطَيَّبَانِ وَيَلْبَسَانِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمَا وَيُطَيِّبَانِ مَسَاجِدَهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. ووَاللَّهِ مَا يَغْلُو فِي طَلَبِهَا عَشْرٌ، لا وَاللَّهِ وَلا شَهْرٌ، لا وَاللَّهِ وَلا دَهْرٌ، فَاجْتَهِدُوا فِي الطَّلَبِ فَرُبَّ مُجْتَهِدٍ أَصَابَ”. [التبصرة لابن الجوزي].
٢- إطالة القيام والتبتل: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» [رواه ابن ماجه بسندٍ حسن].
وعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [متفق عليه].
قال الإمام النووي: “هذا مع الحديث المتقدم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» قد يقال: إن أحدهما يغني عن الآخر، وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها” [شرح النووي على صحيح مسلم].
يقول ابن رجب: “يا من ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر، فإنها تحسب بالعمر” [لطائف المعارف].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا» فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [المستدرك على الصحيحين].
٣- الدعاء: عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: «تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [رواه ابن ماجة].
وعَن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: «مَا سَأَلَ الْعِبَادُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيُعَافِيَهُمْ» [رواه البزار في “مسنده”].
قال النووي: “قال أصحابنا رحمهم الله: يُستحب أن يُكثِر فيها من هذا الدعاء، ويُستحب قراءةُ القرآن، وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، ويستحب أن يُكثرَ فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعارُ الصالحين، ودأب عباد الله العارفين، قال الشافعي رحمه الله: أستحب أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها” [الأذكار للإمام النووي].
قال الإمام البيهقي: “طلب العفو من الله مستحب في جميع الأوقات، وخاصة في هذِه الليلة، ثم روى بإسناده إلى أبي عمرو بن أبي جعفر قال: “سمعتُ أبا عثمان سعيد بن إسماعيل كثيرًا يقول في مجلسه، وفي غير المجلس: “عَفْوَكَ يَا عَفُوُّ عَفْوَكَ، وَفِي الْمَحْيَا عَفْوَكَ، وَفِي الْمَمَاتِ عَفْوَكَ، وَفِي الْقُبُورِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ النُّشُورِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ عَفْوَكَ، وَفِي الْقِيَامَةِ عَفْوَكَ، وَفِي مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ مَمَرِّ الصِّرَاطِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ عَفْوَكَ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَفْوَكَ يَا عَفُوُّ عَفْوَكَ”، قال أبو عمرو: فرئي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل له: ماذا انتفعت من أعمالك؟ قال: “بقولي: عفوك عفوك” [رواه البيهقي في “فضائل الأوقات”، و”شعب الإيمان”].
٤- صلة الأرحام: جاءَ في حديثِ ابن عَبَّاسٍ مرفوعًا: «إنَّ الله يَنْظُرُ ليلةَ القدرِ إلى المؤمنينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فيَعْفو عنهُم ويَرْحَمُهُم؛ إلَّا أربعةً: مدمنَ خمرٍ، وعاقًّا، ومشاحنًا، وقاطعَ رحمٍ» [لطائف المعارف].
٥- قراءة القرآن: عن حسين بن عمرو العنقزي قال: لما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنته فقال: “لا تبكي فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة” [صفة الصفوة].
“كان سعيد بن جبير يختم القرآن في كل ليلتين، وعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ، كان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن يختم القرآن في كل يوم وليلة” [الطبقات الكبرى وغيرها].
أخفى الله أشياء في أشياء: قال ابن حجر: “قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر؛ ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما في ساعة الجمعة” [فتح الباري].
قال البغوي: “أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة؛ ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات؛ ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي؛ لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة؛ ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها” [معالم التنزيل].
ليلة القدر تعويض للعمر: عن مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” [فضائل الأوقات للبيهقي].
عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: ١] إِلَى قَوْلِهِ: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: ٣] الَّتِي لَبِسَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ” [البيهقي في فضائل الأوقات].
وعن أبي صالح، عن كعب قال: “إن الله تعالى اختار من الشهور شهر رمضان، واختار من البلاد مكة، واختار من الأيام يوم الجمعة، واختار من الليالي ليلة القدر، واختار الساعات فخير الساعات للصلوات، فالمؤمن بين حسنتين فحسنة قضاها، وأخرى ينتظرها”. [حلية الأولياء].
جائزة الرب: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَتَى عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ صَحِيحًا مُسْلِمًا، صَامَ نَهَارَهُ، وَصَلَّى وِرْدًا مِنْ لَيْلِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَحَفِظَ فَرْجَهُ وَلِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَحَافَظَ عَلَى صَلَاتِهِ مَجْمُوعَةً، وَبَكَّرَ إِلَى جُمَعِهِ، فَقَدْ صَامَ الشَّهْرَ، وَاسْتَكْمَلَ الْأَجْرَ، وَأَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَفَازَ بِجَائِزَةِ الرَّبِّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: “جَائزَةٌ لَا تُشْبِهُ جَوَائِزَ الْأُمَرَاءِ” [رواه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان].
وعنِ الضَّحَّاكِ، عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ:” في تلكَ الليلةِ … تُفْتَحُ فيها أبوابُ السَّماءِ كلِّها، ويَقْبَلُ اللهُ فيها التَّوبةَ لكلِّ تائبٍ، فلذلكَ قالَ: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}[القدر: ٥]”.
كيف نفوز بليلة القدر؟
- إحياء العشر الأواخر بالاجتهاد في العبادة، فقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله؛ فينبغي للمسلم أن يزيد من الصلاة والقيام والذكر وقراءة القرآن.
- تحري ليلة القدر في الليالي الوترية، فهي أرجى ما تكون في الوتر من العشر الأواخر؛ كليالي: الحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين.
- الإكثار من الدعاء، وأفضل ما يدعى به ما علمه النبي ﷺ للسيدة عائشة رضي الله عنها: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».
- إحياء القلب بتلاوة القرآن وتدبره، فليلة القدر هي ليلة نزول القرآن، ومن أعظم ما يوافق روحها الإقبال على كتاب الله قراءةً وتدبرًا.
- الإكثار من الذكر والاستغفار، فذكر الله حياة للقلوب، والاستغفار سبب لنزول الرحمة ومغفرة الذنوب.
- الحرص على صلاة الجماعة، سواء في الفروض أو التراويح والقيام مع الإمام، فمن قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة.
- الاعتكاف لمن تيسر له، فالاعتكاف من السنن العظيمة في العشر الأواخر، وفيه انقطاعٌ عن شواغل الدنيا وتفرغٌ كامل للعبادة.
- إصلاح النية وإخلاص العمل لله، فالقبول عند الله مبنيٌّ على صدق النية والإخلاص، لا على كثرة العمل وحدها.
- الإحسان إلى الخلق والصدقة، فالصدقة في هذه الليالي المباركة أعظم أجرًا، وهي من أسباب مضاعفة الحسنات.
- اغتنام الوقت واجتناب الملهيات، فينبغي تقليل الانشغال بوسائل اللهو والحديث غير النافع، حتى لا تضيع ساعات هذه الليالي المباركة.




