الخطاب الإلهي

ما حكم قراءة سورة الإخلاص على الجنازة قبل خروجها من المسجد؟

أوضحت دار الإفتاء أن قراءة القرآن على الميت مستحبةٌ مطلقًا -وهذا ما عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا-، بل إن الانتظار بالجنازة على النحو المذكور مع قراءة القرآن الكريم يكون أَولى من الانتظار بغيره.

الأحاديث الواردة على استحباب قراءة القرآن الكريم على الميت

جاءت النصوص الشرعية الشريفة باستحباب قراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق؛ من غير أن تَخُصَّ في ذلك مكانًا دون مكان، ولا زمانًا دون زمان، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿إنَّما أُمِرتُ أَن أَعبُدَ رَبَّ هذه الَبَلدةِ الذي حَرَّمَها وله كُلُّ شَيءٍ وأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ * وأَن أَتلُوَ القُرآَنَ﴾. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اقرَءُوا القُرآنَ؛ فإنَّه يَأتي يَومَ القِيامةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» رواه مسلم.

ومِن المقرر في الشرع أن الأمر المُطلَق يُحمَل على إطلاقه، ولا يجوز تقييد المُطلَق بمكان دون مكان، ولا بزمان دون زمان، ولا بحال دون حال مِن غير دليل، وإلا عُدَّ ذلك ابتداعًا وإحداثًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا من جهة العموم، أما على جهة الخصوص فإن خصوص قراءة القرآن الكريم على الميت حال احتضاره وبعد وفاته وعند قبره وبعد دفنه وغير ذلك قد وردت به أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثار كثيرة عن السلف الصالح، ذكرها الإمام أبو بكر الخلَّال الحنبلي في جزء القراءة على القبور من كتاب الجامع، ومثله الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزءٍ ألَّفه في هذه المسألة، والإمام القرطبي المالكي في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، والحافظ السيوطي الشافعي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، والحافظ السيد عبد الله بن الصديق الغماري في كتابه توضيح البيان لوصول ثواب القرآن، وغيرهم ممن صنَّف في هذه المسألة.

 

فمن الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك:

ما رواه عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجلاج عن أبيه قال: قال لي أبي: يا بُنَيَّ، إذا أنا متُّ فأَلحِدني، فإذا وضَعتَني في لَحدي فقل: بسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله، ثم سُنَّ عليَّ التراب سَنًّا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. قال الحافظ الهيثمي: ورجاله موثَّقون. وقد رُوي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما، كما أخرجه الخلَّال في القراءة على القبور والبيهقي في السنن الكبرى وغيرهما، وحسَّنه النووي وابن حجر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ». أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، وإسناده حسن كما قال الحافظ في الفتح، وفي رواية: «بفاتحة البقرة» بدلًا من «فاتحة الكتاب».

كما جاءت السنة بقراءة سورة يس على الموتى، في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اقرَءُوا يس على موتاكم» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.

وقال الإمام القرطبي في التذكرة: وهذا يحتمل أن تكون هذه القراءة عند الميت في حال موته، ويحتمل أن تكون عند قبره.

وقال الحافظ السيوطي في شرح الصدور: وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال ابن عبد الواحد المقدسي، وبالتعميم في الحالتين قال المحب الطبري.

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في الفتاوى: أخذ ابن الرفعة وغيرُه بظاهر الخبر، وتبع هؤلاء الزركشي فقال: لا يبعد أنه يُندَب قراءتها في الموضعين.

الآثار الواردة على استحباب قراءة القرآن الكريم على الميت

من الآثار في ذلك عن السلف الصالح:

ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف عن الإمام الشعبي رحمه الله قال: كانت الأنصار يقرءون عند الميت بسورة البقرة. وأخرجه الخلَّال في القراءة على القبور بلفظ: كانت الأنصار إذا مات لهم ميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن.

 

وأخرج الخلَّال عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: لا بأس بقراءة القرآن في المقابر.

وأخرج أيضًا عن الحسن بن الصباح الزعفراني قال: سألت الشافعي عن القراءة عند القبور، فقال: لا بأس بها.

وأخرج أيضًا عن علي بن موسى الحداد قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دُفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا، إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبتَ عنه شيئًا؟ قال: نعم؛ أخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دُفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ.

وأخرج أيضًا عن العباس بن محمد الدوري أنه سأل يحيى بن معين عن القراءة على القبر، فحدَّثه بهذا الحديث.

كما أخذ العلماء وصول ثواب القراءة إلى الميت من جواز الحج عنه ووصول ثوابه إليه؛ لأن الحج يشتمل على الصلاة، والصلاة تُقرأ فيها الفاتحة وغيرها، وما وصل كلُّه وصل بعضُه، وهذا المعنى وإن نازع فيه بعضهم، إلا أن أحدًا من العلماء لم يختلف في أن القارئ إذا دعا الله تعالى أن يهب للميت مثل ثواب قراءته فإن ذلك يصل إليه بإذن الله؛ لأن الكريم إذا سُئِل أعطى، وإذا دُعِي أجاب.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button