علي محمد الشرفاء يكتب: التصالح مع الله

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (الحديد: 16)
بهذه الآية الكريمة افتتح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، الجزء الثامن من كتاب «ومضات على الطريق»، والذي صدر بعنوان «الرجوع إلى الله».
الرجوع إلى الله
الرجوع إلى الله كما أوضحه المفكر الشرفاء الحمادي في مستهل الكتاب: «يعني الرجوعَ إلى الحق والفضيلةِ والرحمةِ والعدلِ والإحسان، وعدمِ الاعتداءِ على أرواحِ الناسِ وحُرُمَاتِهم، ودعوةِ اللهِ للناس للتعاونِ والتكافلِ، وليس ما شوّهه الفقهاءُ من كُتبُ الروايات واختلاق الأقوال المزوّرة على الرسول، وما ألفوه ونشروه في كلّ بقاع العالم من الأكاذيب والافتراءات على الله ورسوله حتى تتحقق أهدافهم في صرف المسلمين عن اتّباع آيات القرآن الكريم والتمسّك بشرعته ومنهاجه».
ويؤكد عل أن «الأوامرَ الإلهية والعظاتِ الربانيةَ التي يدعو الله الناس بتطبيقها واتّباع الأخلاق الفاضلة والقيم القرآنية في القرآن لا تحتاج إلى شيوخ دين ومفتين وعلماء دين وأئمة نصّبوا أنفسهم مراجع لدين الإسلام، يحتكرون تفسير آيات القرآن وما يصاحب معانيها من الهوى والغواية لخداع المسلمين وتحقيق أهدافهم الخبيثة في سعيهم لإطفاء النور الإلهي الذي يُخرجُ الإنسان من الظلماتِ ويحررهم من استعباد أئمة المذاهب، وشيوخ الدين وأصحاب الطرق الصوفية والقدرية والروافض والخوارج والمعتزلة والمرجئة والفرق الناجية والسُنَّة والجماعة والسلفية والإثنى عشرية».
المذاهب ومن يتبعها من الخاسرين يوم القيامة
ويوضح المفكر الشرفاء أن هذه الفرق أعقبتها: «المذاهب الفقهية من المالكية والأشعرية والشوافع والحنابلة والأحناف، مخالفين بذلك التشريع الإلهي المنصوص عليه في القرآن الكريم، حيث جعل الله سبحانه وتعالى أن الدين عند الله الإسلام، كما بلّغ الناس رسوله عليه السلام شرع الله في قوله سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19)، وحذر اللهُ سبحانه الناسَ بقوله: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)».
ويتابع: «حَكم الله على كلّ تِلكَ المذاهب ومَنْ يتّبعها سيصبحونَ يوم القيامة من الخاسرين ولم يؤمنوا بالإسلام وتشريعاته ومنهاجه في الآيات القرآنية، فماذا سيكون حكمهم؟ كما تم نشوء زعماء المنظمات الإرهابية من القرامطة والإخوان وداعش والباطنية وغيرهم من الدجالين والمشعوذين أتباع الشيطان، العدو الأول للإنسان كما وصفه الله سبحانه في قوله آمراً رسوله بإبلاغ الناس عن خطورة الشيطان بما نطق به الرسول عن ربه: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإنسان عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: 53)».
تسخير عقول المسلمين
ويستنكر الشرفاء الحمادي: «بالرغم من العظات وتحذير الآيات للناس، فقد نجح أتباع الشيطان في تسخير عقول المسلمين لخدمة مآربهم وتنفيذ مؤامراتهم الخبيثة ضد رسالة الإسلام؛ فكلماتُ الله واضحةٌ لا تحتاج إلى تفسير تدعو كلّها لخير الإنسان واستقراره وأمنه، والمحافظة على كافة حقوقهِ كحقِّ الحرية والحياة وحق العيش وتحريم قتل الإنسان وعدم الاعتداء عليه بكل الوسائل حتى باللسان، وأمر الله سبحانه بالتعاون بين بني الإنسان على الخير والتكاتف في مواجهة الأزمات والتعامل بين الناس بالرحمة والعدل والإحسان ليعيشَ حياةً كريمةً في أمنٍ وسلامٍ، يختفي فيها السائل والفقير والمسكين وذوو الحاجات في كل مكان كما خاطب الله سبحانه عباده جميعاً بقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثمّ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: 2)، ليتحقّق للناس الحياة الكريمة في ظل الأمن والتعاون والاستقرار في المجتمعات الإنسانية».
تحذير من الله سبحانه وتعالى
ويشير إلى أن: «الله سبحانه يحذّر الناس من التعاون على الإثمّ والعدوان ويدعو للتسامح والتعارف وتبادل المصالح ونبذ الفرقة والتعامل بينهم بالحسنى حتى لا يتركوا للشيطان ثغرة ينفذ منها من خلال أتباعها، يثيرون الفتن والبغضاء لِتقسو القلوب وتستجيب للمحرّضين للصدام بينهم وسفك الدماء ظلما وعدواناً وتكون النتيجة الكلُّ خاسرٌ في معارك يتساقط فيها آلاف القتلى دون جدوى تخلّوا عن المنهاج الإلهي واتّبعوا منهج الشيطان الذي يسعى ليحقق وعدَه أمام الله في اللحظة الأولى من خلق آدم حين خاطب الله بقوله: (قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ (16) ثمّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ (17)) (الأعراف: 16-17)».
كيف يكون الرجوع؟
ويوضح المفكر علي الشرفاء كيفية هذا الرجوع: «فالرجوع إل الله يتطلّب تطبيق قولهِ سبحانَه: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (الأعراف: 3)، فاللهُ سبحانَه يخاطبُ الناسَ بلغةٍ عربيةٍ واضحةٍ وصريحةٍ، أيها الناسُ اتّبعوا كتابَ اللهِ الذي أنزله على رسولهِ الأمين، تتضمن آياته شريعة الله من المحرّمات والنواهي، واتباع المنهاج الإلهي الذي يرسم خارطة طريق لحياة الإنسان ليعيشَ في أمن واستقرار بالتعامل بين الناس بصفات المؤمنين التي طبقها الرسولُ العظيم في تعامله مع كل الناس بالخُلق العظيم كما وصفه الله سبحانه في الذكر الحكيم بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)».
الرسول أسوة وقدوة
ويعلل رؤيته: «ولذلك أمر الله المسلمين أن يجعلوا الرسولَ وسيرتَه في صفات المؤمنين التي عرضتها الآيات القرآنية ليتخذوه أسوةً وقدوة تنفيذاً لأمر الله سبحانه في مخاطبته للناس : (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)، حيث ارسل الله سبحانه رسوله الأمين ليترجم شرعته ومنهاجه على أرض الواقع في تعامله مع الناس جميعاً وفق ما أنزله الله عليه في آيات القرآن المجيد من صفات سامية ومعاملات إنسانية وعلاقات مثالية تتمثل في الإحسان والكلمة الطيبة والتسامح والعفو والغفران، والرحمة دون تمييز لمذهب أو عقيدة أو دين فكل الناس أخوة خلقهم الله من نفس واحدة كما قال الله سبحانه في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1)، ذلك ليببيّنَ الله للناس أنهم سواسية في الحياة الدنيا فلا ميزة لإنسان على غيره فكلهم خلقهم الله من منبع واحد، وكلّ إنسان مسؤول وحده في الدنيا عن أعماله وتصرفاته، ويوم الحساب يحاسب الإنسان بمفرده بما قدم في حياته من خير أو شر يتقرر الحكم عليه وفق تلك القاعد الإلهية ليببيّنَ لهم طريقَ الحقّ والرشادِ ويحقّق لهم الحياة الطيّبة في الدنيا، ويجزيَهم بفضله في الآخرة جناتِ النعيمِ، ولا يتبعون الشيطان وأتباعه وأولياءَه فيضلّونهم عن طريق الحقّ ويستدرجَونهم إلى طريقِ الباطلِ فيعيشوا حياتهم في ضَنْكٍ وشقاءٍ، وكرب ومعاناة وفي الآخرة جزاؤهم جهنمُ وبئسَ المصير».
اتباع شرعة الله ومنهاجه
ويؤكد المفكر علي الشرفاء أن: «الرجوع إلى الله هو باتباعِ شرعتهِ ومنهاجهِ، في كتابه المبين، والتمسك بآياته وتطبيق أوامرهِ وطاعتِه بمجاهدةِ النفس الأمّارة بالسوء وكبحِ جماحِها لتستقيمَ على طَريق الحقِ والخيرِ والرشادِ، حتى يأتيَ أجلُ الإنسان في لحظة لا يملك تأخيرَها؛ فإن فاء إلى اللهِ واستدركَ بإيمانه الرجوعَ إلى كتابهِ والعملِ بكل الإخلاص بآياتهِ فقد نجا الإنسان ممّا ينتظره من العقاب والعذاب عند الحساب، ومَن فشلَ في طاعةِ اللهِ ولم يتّبع آياتهِ فطريقه إلى النار خالداً فيها».
ويتابع: «والله من رحمته بعباده دعاهم إلى بابه المفتوح دائما وفي كل لحظات حياة الإنسان يدعوهم برحمته وبلطفه سبحانه مخاطباً رسوله ليبلّغ الناس الذين ارتكبوا المعاصي وخالفوا أوامر الله وهجروا كتابه دعوة الله المفتوحة لهم إلى قيام الساعة لكي تُمحا أخطاؤهم وذنوبُهم ويعفو عنهم فينطق الرسول بلسانه عن ربه كما أمره سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعاً ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53)، اذا قصد التائب باب الله نادماً معاهداً ربه بأنه لن يعود إلى ما سبق من أفعال وأقوال تخالف شرعة الله ومنهاجه وألا يرتكب المعاصي والذنوب مرة أخرى حتى يوافيه الأجل المحتوم، فقد وعده الله سبحانه بالاستجابة ويطهره من الخطايا والذنوب وأصبح من عباده الصالحين فالله سبحانه سوف يرضى عنه بعفوه».
لا طغيان ولا ظلم ولا عدوان
يقول المفكر الشرفاء محذرًا استنادًا لما جاء في الخطاب الإلهي: «فالرجوع إلى الله، يعني لا طغيانَ ولا ظلمَ ولا عدوانَ ولا استعلاءَ على الناس، بل إحسان وتسامح مع كل إنسان، وإجابة السائلين ومساعدة الفقراء والمساكين وتقديم العون للمظلومين، والتعامل بين كل الناس بالرحمة والعدل، وأن يكون الإنسان من المحسنين، واحترام حرية الآخرين في عقائدهم وأعمالهم وتقاليدهم وأعرافهم دون ضرر أو ضرر، ويكون عونا للمظلومين والتزاماً صادقاً بأداءِ العبادات من صلاة وزكاة وصيام وحج بيت الله يطبقون مقاصد العبادات وفق التشريع الإلهي في القرآن الكريم يؤدّون صدقاتِهم وزكاتَهم للفقراء والمساكين الذين لهم حق معلوم في أموال الأغنياء كما أقره الله في شريعة الله في قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)) (المعارج: 24- 25)، فهم شركاء مع الأغنياء في أرباحهم بنسبة عشرين في المائةِ من الأَرباح كما شرع الله في نصيب الزكاة في أرباح الأغنياء (نسبة عشرين في المائة من صافي الأرباح) تدفع في كل مرة يتحقق للأغنياء ربحٌ صافٍ غير محدد المدة الزمنية كما شرعه الله بقوله سبحانه: (وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّـهِ) (الأنفال: 4)».


