الخطاب الإلهي

زواج المسيار: هل يتوافر فيه شروط النكاح عند المسلمين أم يعد (متعة)؟

ما حكم زواج المسيار؟، من الأسئلة التي يكثر البحث عنها، وفي ظل الجدل حول الحكم الشرعي لـ زواج المسيار نوضح ما يلي.

الحكم الشرعي لـ زواج المسيار

تقول الدكتورة روحية مصطفى عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، تحت عنوان زواج المسيار من اجتزاء الحكم الفقهي إلى الانحراف عن المقصد الشرعي: منذ عدّة سنوات، ومع ظهور ما عُرف باسم زواج المسيار، قرأتُ عنه بتأمّل، فوجدت أنه يقوم على عقدٍ شرعيٍّ مكتمل الأركان والشروط في ظاهره، غير أن ما يحدد صورته هو ما يُشترط فيه من شروطٍ خاصة تُفرّقه عن الزواج المعروف في مقاصده وآثاره، ومن أبرز هذه الشروط التي تَرد في هذا النوع من العقود: إسقاط المهر، والتنازل عن النفقة، وعدم القسم أو العدل بين الزوجات إن كان الزوج معدِّدًا، وترك المبيت للوقت الذي يشاء الزوج ويأتي فيه.

سبب انتشار زواج المسيار

وتابعت عند البحث في أصل هذا الزواج وسبب ظهوره، وجدتُ أن نشأته كانت على يد أحد المأذونين في الخليج، أراد أن يُيسِّر على الناس أمر الزواج من ناحية، ويساهم في حل مشكلة العنوسة من ناحية أخرى، ولا سيما على الرجال كثيري الأسفار، فبدلًا من أن يصحب الرجل زوجته أو أسرته معه في كل سفرٍ، رأى أن بإمكانه أن يتزوّج في البلد الذي يسافر إليه امرأةً ترجو الستر والتحصين، على أن تتنازل عن حقوقها الشرعية من نفقةٍ ومبيتٍ وعدلٍ ومهرٍ. وبهذا – في تصوّره – يتحقّق مقصود الستر للمرأة، ويجد الرجل في سفره بيتًا يأوي إليه بدلًا من النزول في شقةٍ مفروشةٍ أو فندقٍ.

وتابعت: من العلل التي طُرِحَت لتبرير هذا النموذج من الزواج تحقيق العفة للرجل والمرأة معًا، بزعم أنه بديلٌ مشروعٌ عن العلاقات المحرّمة. بل تطوّر الأمر حتى ظهرت مواقع إلكترونية متخصّصة تُعرَض فيها طلبات هذا الزواج من الطرفين، في صورةٍ تجاريةٍ تُفرغ الزواج من روحه الشرعية ومقصده الإنساني.

وكأنّ هذا الإنسان الضعيف قد خرج بفكرةٍ عبقريةٍ يظنّ بها أنه يحلّ أزمةً بين الرجال والنساء، وكأنّ الوحي الإلهي غاب عن معالجة واقع الناس حتى جاء هو ليكمل النقص بعقله المحدود!

وأضافت: كنتُ أقول في نفسي: سبحان الله! أَيَعلَمُ البشرُ مصالحَ الناس فوق ما عدَّه الله تعالى مصلحة؟! حاشا لله أن تُخفى على شريعته حكمة أو مصلحة! وهل في إسقاط حقوق المرأة – من نفقةٍ وعدلٍ وكرامةٍ – مصلحةٌ تُذكر؟ إنّ هذا النموذج لا يرفع المرأة بل يُعيدها إلى عصر الجاهلية الأولى، حيث لا حقّ لها في العِشرة ولا في الكرامة الإنسانية. ثم أين هي العفة التي يُتذرّع بها، في رجلٍ لا يراها إلا كل شهرٍ أو كل عامٍ أو كل عدّة أعوام، يأتيها ساعةً ويتركها زمنًا؟ أهي عفةٌ أم عبثٌ يُلبَّس ثوب الحلال؟

وتساءلت: أليس هذا مدخلًا إلى الفساد وذريعةً لانهيار مقاصد الأسرة في الإسلام؟! فأين هي الرعاية والحماية والتحصين والمسؤولية والقِوامة التي جعلها الله أساسًا للعلاقة الزوجية؟ وكيف يتحقّق السكن والمودّة في عقدٍ تُسقَط فيه الحقوق وتُفرَّغ فيه المسؤوليات؟ ثم ماذا لو نُتج عن هذا الزواج أولاد؟ من يرعاهم؟ ومن يتحمّل مسؤوليتهم؟ أم أن أباهم مجردُ صورةٍ على جدارٍ أو اسمٌ في ورقةٍ لا حضور له في واقع الأسرة؟!

وأكدت أنّ هذا الزواج – في حقيقته – ليس إلا صورةً أخرى من زواج المتعة، بل هو أقبح منه وأشدّ انحرافًا؛ فزواج المتعة اشتمل على تأقيت المدة دون إسقاطٍ للحقوق الثابتة، ومع ذلك شدّدت الشريعة في النهي عنه لما فيه من نقضٍ لمقاصد الزواج القائمة على الاستقرار والدوام والتكافل. أما هذا المدعو زواج المسيار، فإنه يجمع إلى سقوط المقاصد سقوط الحقوق، فيضرب بجوهر العقد عرض الحائط، ويحوّل العلاقة الزوجية إلى معاملة وقتيةٍ مفرغةٍ من مضمونها الإنساني والشرعي.

هل عرف الصحابة زواج المسيار؟

وأوضحت: لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسافرون بالأشهر بل بالسنين جهادًا أو طلبًا للعلم أو تجارة، ومع ذلك لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه ابتدع صيغةً للزواج تُسقَط فيها الحقوق الشرعية بدعوى تيسير الغريزة ، ولو كان في ذلك مصلحة معتبرة لأرشدت إليها الشريعة، إن العبرة في العقود ليست بالألفاظ والمباني، وإنما بالمعاني والمقاصد، فإذا نُزعت المقاصد من العقد لم يبقَ إلا قشرٌ لا حقيقة له.

وبينت كانت المفاجأة لي هذا الأسبوع وأنا أدرس باب الشروط في النكاح في المذهب الحنبلي، إذ وقفت على نصٍّ للشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي يقول فيه: ” ولا يبطله كأن لا يشترط أن لا مهر لها، ولا نفقة، أو أن يقسم لها أكثر من ضرتها، أو أقل، أو إن فارقها رجع عليها بما أنفق، فيصح النكاح ويبطل الشرط”. فوقفتُ مدهوشةً أمام دقّة النص، إذ بدا لي أن من اخترع ما يُسمّى بزواج المسيار قد استند إلى هذا النص ليُضفي على فعله مسحة المشروعية، لكنه اجتزأ الحكم ولم يفهم مراده، فأخذ صدر العبارة «فيصح النكاح» وترك عجزها «ويبطل الشرط». وبذلك حمَّل النص ما لا يحتمل، فالنص في حقيقته حجة على بطلان تلك الشروط لا على صحتها. وذلك لأن النصّ يقوم على تصحيح العقد المقترن بمثل هذه الشروط مع إبطال الشرط نفسه، فكأنه لم يُذكر، لأنه يناقض مقتضى العقد ويتعارض مع الثوابت الشرعية للمرأة، ولا سيما حقي المهر والنفقة. ويبدو أن من نقل الحكم اجتزأه عمدًا أو سهوًا، إذ وردت عبارة «فيصح النكاح» في نهاية الصفحة (175)، وجملة «ويبطل الشرط» في بداية الصفحة التالية (176)، فوقع الخلل الفقهي الذي بُني عليه هذا النوع من الزواج.

وحقيقةً، أعدّ ما وقفتُ عليه اليوم من هذا النصّ أحد أوجه التصحيف والاختزال التي غُيّر بها المعنى لبيان مشروعية ما يُسمّى زواج المسيار، وهو في الأصل نصٌّ بريء من ذلك الفهم. وأشهد أني رأيت فيه في هذا اليوم من توفيق الله ما أثلج صدري، إذ جمع الله لي بين النظر الفقهي والمقصد الشرعي، فعلمتُ أن هذا الاكتشاف من أجمل ما وفّقني الله إليه في هذا اليوم المبارك، رحم الله فقهاءنا الحنابلة رحمةً واسعة، فقد أبقوا لنا من فقههم حصونًا تقي النصوص من التحريف وتعيد للأحكام مقاصدها.

ويجب البيان أن الرجل لا يملك إسقاط حقوق المرأة، كما أنها لا تملك إسقاطها قبل أن تتملكها. فبعد أن تثبت الحقوق، يجوز للمرأة أن تُبري زوجها من نفقتها أو بعض مهرها عن طيب نفسٍ، لا عن إكراهٍ أو ترهيب، كما يجوز لها أن تهب ليلتها لضرتها كما فعلت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، أما أن تُلزَم بذلك أو يُشترط عليها قبل العقد فلا يصح، لأنه شرطٌ يناقض مقصود النكاح، ومن جمال المذهب الحنبلي أنه صحّح العقد وأبطل الشرط، فصان الرابطة الزوجية وحفظ للمرأة حقها في المهر والنفقة وسائر الحقوق التي أكرمها الله بها، ومن وقع في هذا النوع من الزواج، فعليه أن يُعدّل نيّته، ويُصحّح مساره، فيجعل العلاقة قائمةً على المقاصد الشرعية لا على الهوى، وأن يضمن لزوجته حقوقها التي أوجبها الشرع من نفقةٍ ومهرٍ وسُكنى ومعاشرةٍ بالمعروف، فإنّ الرجوع إلى الحق فضيلة، وما ضاع حقٌّ للمرأة في شريعةٍ أقامها الله على العدل والرحمة.

واختتمت: هكذا يتبيَّن أن الفقه لا يُؤخذ مجتزأً من عباراتٍ منقولةٍ ولا من ظاهر نصوصٍ مبتورة، بل يُفهم في سياقه ومقصده. فالشريعة حين أباحت النكاح، جعلته سكنًا ومودةً ومسؤوليةً لا عبثًا يُلبَّس ثوب الحلال. ومن أخطر ما يهدد العلم والفتوى اليوم أن يُفهم النص بلا سياقه، أو يُستدعى الحكم بلا مقصده، فالأمانة في الفهم لا تقل وجوبًا عن الأمانة في النقل، ومن الوفاء لفقهائنا أن نقرأهم كما كتبوا، لا كما يشتهي الناس أن يُقرأوا.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button