شئون عربية ودولية

بعد مقتله، لمحات من طقولة وحياة علي خامنئي مرشد إيران الأعلى

يُعد مقتل خامنئي، لحظة فارقة في قصة الصراع الإيراني ضد أمريكا وإسرائيل؛ إذ يشكل أهمية كبرى في نظام الثورة الإيرانية، ورمزا ومرجعية تتجاوز إيران لكثير من أبناء المذهب الشيعي في منطقة الشرق الأوسط.

ويقود علي خامنئي، الذي بلغ من العمر 86 عامًا، إيران منذ عام 1989 عندما تولى منصب المرشد الأعلى بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ليصبح بذلك صاحب النفوذ الأكبر في النظام السياسي الإيراني طوال ثلاثة عقود ونصف، شهدت أزمات عديدة من احتجاجات داخلية وعقوبات قاسية ضغطت بها أمريكا والدول الغربية لأجل تخليها عن برنامجها النووي.

وخلال السطور الآتية نقترب من شخصية خامنئي بقراءة لتكوينه المبكر وسنوات نشأته الأولى، التي رويت ضمن فصول كتابه: “إن مع الصبر نصرًا”، الذي مثل سيرته الذاتية، التي صدرت باللغة العربية عن مكتب “حفظ آثار ونشر آثار الإمام خامنئي” بالذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإيرانية، وطبعه مركز الحضارة لتنمية الفكر في بيروت.

– بيت طفولة خامنئي.. من حجرة إلى حسينية واسعة قال خامنئي في كتابه: “وُلدتُ في مدينة مشهد بمحافظة خراسان، إذ مثوى ثامن أئمة أهل البيت علي بن موسى الرضا”.

ووصف تفاصيل بيته الذي عاش به طفولته: “الدار التي وُلدتُ فيها صغيرة متواضعة ذات حجرتين، حجرة في الطابق العلوي خاصة بالوالدين وأطفالهما الصغار، وحجرة في الطابق الأسفل لإخوتي اللذين توفيت أمهما قبل أن يقترن والدي بوالدتي.. ثم حدث في البيت ترميم بعد ثلاثين سنة وأكثر، فتحولت الغرفة العليا بعد ذلك إلى غرفتين”.

وأكمل خامنئي: “بعد سنة من ولادتي انتقلنا جميعًا إلى بيت جدي لأمي السيد هاشم الميردامادي النجف آبادي، وكان عالما معروفا بعلمه وزهده وتبحره في تفسير القرآن، وكان قد نفي ضمن العشرات من العلماء الذين نفاهم رضا شاه بهلوي قبل سنتين من ولادتي، وكانت داره واسعة نسبيا، غير أننا عدنا إلى بيتنا الصغير مع عودة الجد من منفاه”.

وواصل: “ثم اهتم بعض مريدي والدي ومحبيه بتوسيع بيتنا، فاشتروا أرضا متروكة بجواره، وأعيد البناء، فصار لنا بيت جديد، وصارت مساحة الدارين معًا تقرب من 200 متر، وأصبح الآن محلا عاما للمجالس الدينية، وسُمي حسينية”.

– حياة في بيت علم وعبادة وعن عائلته، حكى خامنئي: “أقف قليلًا عند الجد، درس السيد حسين في النجف عشرين عاما، وكان من تلاميذ الفاضل الشيرازي والشيخ حسن المامقاني، وتوفي بعد شهور من الحركة الدستورية، فشُيّع في تبريز، ثم نُقل جثمانه إلى النجف، ودُفن في مقبرة وادي السلام”.

وعن تفاصيل ما عُرف عن جده، قال خامنئي: “يذكر الوالد عن جدنا السيد حسين أنه كان ينام أول الليل بعد العشاء، والأبناء مشغولون باللعب، ثم يستيقظ قبل ساعتين من طلوع الفجر للعبادة والمطالعة، وكانت أكثر مطالعته قبل طلوع الفجر. كان من أعلام العلم، وكثير من علماء تبريز قد تتلمذوا عنده في النجف”.

– الأم وعن أمه، قال: “الوالدة نجفية المولد، عربية اللهجة، كانت تتكلم في صباها باللهجة العربية النجفية، عارفة بالقرآن، تحسن القراءة بصوت رائع.. وفي أواخر حياتها بُح صوتها، فكنت أذكرها بصوتها الحسن”.

وأضاف: “كانت تواظب على قراءة القرآن الكريم كل يوم في مصحف مُهدى لها من والدها، وكانت طريقتها في القراءة تجذبنا ونحن صغار، فنلتف حولها ونصغي إلى تلاوتها.. وهي كانت تغتنم الفرصة فتترجم لنا معاني بعض الآيات إلى الفارسية، وتحكي لنا قصص الأنبياء.. شغفها بحياة موسى عليه السلام كان يدفعها لأن تقص علينا حياة هذا النبي العظيم بكل تفاصيلها، وتتكلم عن موسى بإعجاب يثير فينا لهفة لاستماع أخباره”.

وتابع: “تعلمت من الوالدة أوليات قراءة القرآن وقواعد اللغة العربية، كما غذتني بروح الشجاعة والمقاومة.. لقد عانت الوالدة كثيرًا من اعتقالاتي المتواصلة واقتحامات السافاك، لكنها كانت تقف أمام الجلاوزة المهاجمين بصمود وجلادة، تردّ عليهم وتتحدّاهم، بل وطالما شجّعتني على مواصلة هذا الطريق الشائك”.

– التعليم في الكُتّاب قال: “بدأت حياتي الدراسية في الكُتّاب، وقدر لي أن أتعلم في اثنين من الكتاتيب قبل أن ألتحق بالمدرسة الابتدائية”.

وأضاف: “كان على رأس الصف الأول امرأة، دخلته وأنا في الرابعة من عمري، وكنت أميل إلى الانزواء، وأراني غير منسجم مع الدرس، وقد يعود ذلك إلى ضعف بصري كما سأذكر”.

وتابع: “ما يرتسم في ذهني الآن عن هذه المرحلة أكثر من غيره سوء الأساليب التعليمية والتربوية؛ لم يكن ثمة منهج تعليمي، وكانت القسوة التي لا مبرر لها هي المسيطرة على الكُتّاب”.

وأكمل: “أذكر أن الشيخة كانت تذهب أحيانًا إلى بعض المناسبات، وتترك مكانها جارتها رباب، وهذه كانت تفنن في ملء وقتنا بالتوافه، منها أنها كانت تصفنا في طابور، ثم تأخذنا إلى زوجها، وكان مقعدًا، فيمر عليه الواحد بعد الآخر ليضربنا على أكفنا بعصا كانت بيده! كان أخي الأكبر معي في هذا الكُتّاب”.

وأضاف: “حين كنت بين الخامسة والسادسة، نقلنا الوالد إلى كُتّاب آخر يقع في غرفة مسجد.. حجرة الدرس كانت مظلمة، على ما أتذكر، ولعل هذا الانطباع يعود إلى ضعف بصري أيضًا.. احتفى هذا المعلم بنا كثيرًا، وأجلسنا على يساره، وكنا موضع اهتمامه دائمًا.. ابتدأت أنا وأخي في هذا المكان بدراسة جزء «عمّ»، وكان المعلم يبدأ بتعليم الحروف الهجائية العربية، ثم يليها الجزء الثلاثون من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الناس”.

وحكى علي خامنئي، قائلا: “كان المعلم قاسيًا غليظًا في تعامله مع غيرنا من التلاميذ، وما أحمله في ذاكرتي الآن عن هذا الكُتّاب هو غلاظة الرجل، والبرد، والظلمة.. كنت أقطع الطريق من البيت إلى محل الدرس بحذاءٍ مثقوب يتسرب منه الوحل إلى رجلي في الشتاء”.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button