الخطاب الإلهي

بعد دعاء فاطمة وأبيها.. هل التوسل بالنبي شرك مع الله؟

هل التوسل بالنبي شرك مع الله؟ سؤال أجابه الدكتور محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف، تعقيبا على حديث الدكتور محمد المسير.

هل التوسل بالنبي شرك مع الله؟

وقال: زعمه أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه سؤال لغير الله، وذلك حينما تلا حديث: “إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله”، ردا على سؤال السائلة عن حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، مع أن التوسل ما هو إلا سؤال لله تعالى، لا للمتوسَّل به، لأن المتوسِّل يقول في دعائه: “يا رب بحق حبيبك النبي افعل لي كذا”، فهو يتوجه بالدعاء إلى الله لا إلى رسول الله!

 

وتابع: زعمه أن الهدي النبوي لم يرد فيه أي صيغة من صيغ التوسل، بل كله خالٍ من التوسل، وهذا الزعم يردُّه حديث الأعمى، فعن عثمان بن حُنيف، رضي الله عنه، “أنَّ أعمى أتى إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أن يَكْشفَ لي عن بصَري، قالَ: أو أدعُكَ؟ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّهُ قد شقَّ عليَّ ذَهابُ بَصري، قالَ: فانطلِقْ، فتوضَّأ، ثمَّ صلِّ رَكْعتينِ، ثمَّ قلِ: “اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ، وأتوجَّهُ إليكَ، بنبيِّي محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، نبيِّ الرَّحمةِ، يا محمَّدُ، إنِّي أتوجَّهُ إلى ربِّي بك، أن يكشِفَ لي عَن بصَري، اللَّهم شفِّعهُ فيَّ، وشفِّعني في نَفسي، فرجعَ وقد كَشفَ اللَّهُ عن بصرِهِ”.

 

أخرجه النسائي في [السنن الكبرى] واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، كلاهما بنحوه مختصرا.

وأخرجه ابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، باختلاف يسير، وهو حديث صحيح، وممن صححه الألباني،  والحديث واضح الدلالة في التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، لأنه علَّمه أن يقول: “بنبيك”، وليس “بدعاء نبيك”!

فهذا تعليم لبعض صيغ الدعاء، التي جاء بها الهدي النبوي نفسه، وليس من اختراع الصوفية أو غيرهم، فمنكِر هذا النوع من الأدعية منكِر بعض هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بعقله المجرد، ومفتئت عليه، بزعم التوحيد الخالص، وكيف يأتي نبي التوحيد بما يناقض التوحيد؟!

 

وأكمل: لو كلف الشيخ – رحمه الله – نفسه الرجوع إلى كتب الفقه لعلم أن التوسل بالأنبياء والصالحين في الدعاء جائز باتفاق المذاهب الأربعة، ويمكن – اختصارا للوقت – مراجعة المسألة في مادة (التوسل)، في أبحاث [الموسوعة الفقهية الكويتية] للتأكد من ذلك.

وشدد: زعمه – من خلال سؤال وُجِّهَ إليه من امرأة – أن المبالغة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم فيه اعتداء على مقام الألوهية فيه كثير من المبالغة، ذلك أن تعظيم رسول الله من تعظيم الله؛ ولذلك كان من أسرار بلاغة القرآن توحيد الضمير في الحديث عنهما، في نحو قوله تعالى: “لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروه، وتوقروه، وتسبحوه بكرة وأصيلا”، فقد قيل: إن الضمير في الأفعال الثلاثة راجع إلى الله تعالى، ووجهه ظاهر، وقيل: بل راجع إلى رسوله، ويكون معنى تسبيحه تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن كل نقص بشري.

 

وفي نحو قوله: “والله ورسوله أحق أن يرضوه، إن كانوا مؤمنين”.

وتابع: على أننا لم نرَ مسلما قط، منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا أشرك مع الله رسول الله، أو أعطى ما لله لرسول الله، ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم مخلوق، وأن الله تعالى خالق، وقد أمر هذا الخالق بتعظيم هذا المخلوق، ولا يوجد عاقل في الدنيا لا يستطيع التمييز بين الخالق والمخلوق، وقد ضمن الله تعالى لنبيه ألا ترجع أمته إلى الشرك من بعده، كما صحت بذلك الأحاديث، فأما الخوف على الأمة، مما وقع فيه النصارى، في تأليه المسيح فذلك من هوس الشرك، الذي ابتليت به بعض العقول.

 

ولعل الإمام البوصيري – رحمه الله – قد ألمح إلى هذا المعنى، في قوله، في [البردة]:

دع ما ادعته النصارى في نبيهمو
واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكمِ!

أي: امدحه بما شئت تعظيما وتفخيما وتكريما، حاشا دعوى الألوهية!

واختتم: ما ورد في هذا الفيديو لا يمثل منهج الأزهر الشريف، ولا يعبر عن فتاواه، وأنا كنت على معرفة شخصية بالشيخ المسير – رحمه الله – وأذكر مرة أنني قابلته في إحدى ملتقيات الفكر، أمام مسجد سيدنا الحسين، وكنت وقتها طالبا في الجامعة، وهو كان قد أنهى إعارته في السعودية، وكانت له محاضرة في ملتقى الفكر، فسرت معه بعد انتهاء المحاضرة، لما رأيته يلبس الزي الأزهري، إلى مبنى كلية أصول الدين، فجرى بيننا كلام، وكان في بعضه يستنكر وجود مساجد بها أضرحة، لكنه كان متحفظا وهو يقول هذا الكلام؛ لأنه كان خارجا وقتها من ملتقى الفكر المعقود أمام مسجد به ضريح، وهو مسجد سيدنا الحسين، وكنت مندهشا لذلك.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button